أخبار
العَربانة 10 | جريدة الرؤية العمانية

حمد الناصري
كان لوقع الخبر الذي جهر به الأستاذ سليمان أثر الصاعقة؛ خبر وضع أحمد أمام الأمر الواقع بحضور الأخوين سعيد ومنصور. وكانت ملامح الصدمة جلية على وجهه وأبقته في ذهول تام، وهو يستمع إلى سليمان يُعلن عن مُوافقة لم ينطق بها أحمد مطلقاً.
تبادل الثلاثة ـ سعيد ومنصور والأستاذ سليمان ـ نظرات الانتصار، بينما الأفكار العاصفة تدور في رأس أحمد، وهو يحاول أن يستوعب المؤامرة التي تحاك ضده؛ فلم يجد سبيلاً لفك طلاسم مكرهم، أو سبر أغوار ما تبطنه عقولهم.
قال سليمان بذكاء ماكر:
ـ ونحن الأربعة: أنا سليمان، وسعيد وأخوه منصور، وأحمد بن عبدالله البحر ـ وأشار بإصبعه إليه ـ سوف نمارس العمل بما ينفع الناس؛ بائعين ومشترين ومرتادين ومتجولين، وكل ما يتعلق بالسوق أمناً وخدمة وعلاقة وشأناً. وكما اتفقنا مبدئياً، سنطلق عليها “مؤسسة خدمات السوق”، ولا يحق لنا أن نتحدث عن مشاريع الوطن، صغيرة كانت أو كبيرة، في المدينة أو في القرية، في البر أو في البحر.. نحن مُؤتمنون على صَون أمن الوطن، وأمن السوق من أولويات المرحلة الأمنية، هذا عملنا وهو خير العمل.. ندافع عن الوطن ولا يعرفنا أحد.
واستطرد سليمان موجهاً حديثه للجميع بنبرة آمرة:
ـ وأما عن مشاريع القرية، ومشروع المدينة الكبرى، ومشروع النجوم القديم، وما يتصل بمشاريع الوادي؛ كمشروع النجوم ومشروع الجبل ومشروع البحر الشرقي المعروف بالماء الأزرق، فنحن العين الساهرة على أمنها واستقرارها، والمؤتمنون على صونها وبقائها وفق مصلحة الوطن. وسواء أحدث بها تغيير شامل أو جزئي فليس ذلك من اختصاصنا، إنما ينحصر دورنا في رفع طاقة تدفقنا المعلوماتية إلى جهة أمن السوق؛ فنحن لا نحلل قضايا السوق، بل نسعى إلى توصيل الفكرة لخدمة أمنه. وبمعنى آخر: عملنا هو رصد الظواهر لا حلحلتها.
بغتةً، انقطع حديث سليمان واجتاحت وجهه ملامح غضب جلية، ثم التفت إليهم قائلاً بنبرة حادة:
ـ الحقيقة أنا غير مرتاح لما يجري في السوق، لا أشعر بالأمن في محيطه؛ فالمصالح لم تستقر، والغرباء كثروا، وترهاتهم توغلت وأفكارهم لا تتماشى مع عاداتنا وتقاليدنا؛ يدسون سمومهم ليخربوا بها بيوتنا تحت مسمى الانفتاح الذي نرفضه! لذلك جاءني تقرير على وجه عاجل بتشديد المراقبة، والوقوف على خدمة السوق ورصد الظواهر التي لا تخدم واقعنا ولا تخدم واقع السوق الكبير. والأوامر تقضي بأن نحكم قبضتنا على الأبواب عبر منظومة التحكم التي ننشئها؛ فذلك هو المبرر لفرض بيئة أمنية عالية، تدفع المسؤولين نحو تجديد كامل في أمن السوق.
وضع سليمان سبابته اليسرى على شفتيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة غير معهودة، ثم أردف متهكماً:
ـ ماذا تقول يا أحمد؟
لم ينبس أحمد بكلمة وظل صامتاً، بينما استمر سليمان في إعادة سؤاله بحذر، متبادلاً نظرات سريعة مع الأخوين سعيد ومنصور، ثم وجه نظره الحاد إلى أحمد مجدداً:
ـ ماذا عسى أن يقول أحمد بن عبدالله البحر في ذلك؟
توتر أحمد توتراً وصل إلى ذروته، وتساءل في داخله دون أن يظهر شيئاً لأحد: ما المقصود من هذا كله؟ أحِصَار نفسيّ، أم ابتزاز وتهديد، أم إطراء مسموم؟! كلمات وتعبيرات يتبادلها الثلاثة فيما بينهم، بينما أجد نفسي حائراً بين أن أقدّم ما يرجونه مني، أو أواجه ما لا أرجوه.
كان أحمد مأخوذاً بتشابك نياتهم وبراعة أساليبهم؛ فهم رجال يفكرون بعمق، ويمسكون بكل الأوراق الممكنة بوضوح قاطع. ثم قال بهدوء وقد صوب نظره إلى سليمان:
ـ سيدي، أعطني فرصة للتفكير.
عقّب سعيد بلهجة قاطعة بلا إطالة:
ـ الرجال من أمثالكم لا يُفكرون؛ فحدسُكم البعيد هو الغطاء، والمعادلة التي ننتظرها!
أومأ أحمد برأسه موافقاً، ليلتقط سعيد الإيماءة على الفور قائلاً بلهجة حاسمة:
ـ اسمع.. بعد الموافقة لا مجال للتردد؛ فالتردد يخلق لك ما لا ترجوه منا!
سحب أحمد نفساً عميقاً واجتاحت ملامحه طمأنينة رجل بات عارفاً بكل شيء، وقال بثقة تعلوها ابتسامة، وهو يعلم أن سعيداً يقتنص الموافقة منه:
ـ نعم، تم الأمر.
امتدت يد سليمان لتصافح أحمد تأكيداً على تبادل الثقة؛ مصافحة منحت أحمد ثقلاً ومكانة تليق به من قائد مجموعة أمن السوق، في حين قدم منصور ورقة ليوقع عليها؛ ورقة انضمامه الرسمية إلى مؤسسة خدمات أمن السوق. بينما طار سعيد فرحاً وسروراً بانضمام أحمد، فنهض معانقاً إياه، لتتلاقى الصدور وتوضع قبضة اليد على الظهر في عناق عماني أصيل يعمق في العادة ثقل المكانة بين المتعانقين؛ احتفاء باقتناص موافقة أحمد، وتعبيراً عن غاية السعادة والرضا. لكن أحمد حصيف، يعي الموقف وما يدار حوله من سياج، رغم أن طبيعته نقية السريرة.
رمى كبيرهم سليمان نظرة ذات مغزى إلى سعيد، وكأنه يبلغه أن أحمد قد استسلم للأمر الواقع، وأن الوقت قد حان الآن لكي يشرح له كل شيء، ويكشف له عن أبعاد مخططهم كاملة.
قال سعيد وقد اقترب من أحمد أكثر وهمس في أذنه:
ـ أمانة السوق مجرد واجهة، أو غطاء عام.. سمّهِ ما شِئت! والمؤسسة التي أعمل بها، وتلك التي يعمل بها أخي منصور، تُمثلان الذراعين الحقيقيتين لأمانة السوق، وهما فرعان مُشتقان من جهاز أمن خاص يُراقب القرية والمدينة الكبرى والسوق والوادي معاً. المسؤولية هنا غير مُنفصلة عن الاختصاص، وما تمّت الموافقة عليه قبل قليل يقع في صُلب هذه المسؤولية
*
لم يفهم أحمد ما أشار إليه سعيد وما ألقى إليه سليمان، وحدثتْه نفسه في وجل: ألم أقل لك إنهم يتحدثون بالألغاز؟ رغم أنك ذو حدسٍ، لن تفهم قولهم؛ ففي كل مرة يأتونك بشيء مختلف، مشروعهم الأمني غير واضح، ومؤسسة خدمات السوق لا يُفهم وجهها الحقيقي طالما أنّ الأمر يتشابك مع جهات عدة. وما بالُكَ أنت بأمن كل تلك الأمكنة؟ لستَ عاملاً في جهة أمنية، أنت تعمل وحدك، والعَربانة سرّ حياة أمك وأختيك.. لم يكتشفوك إلا بها، فلا تدخل معهم في شيء سوف يُورطك. ألْغِ اتفاقك معهم، ذلك خير لك.
ثم همست نفسه في دهشة: أمعقول هذا؟! إذن ينبغي عليّ أن أفكّ غموضهم، لكنها عادتْ لتجيبه في يأس: لن تستطيع فكّ هذا الغموض؛ فهو غموض أشبه بطلاسم باصِر شعبيّ يدّعي كشف الغيب، أو بتعاويذ يونانية مجنونة!
سكتَ، ثم استجمع أنفاسه وكأنه غصّ بها، محاولاً تجرّع ريقه ليسمح للهواء بالمرور إلى صدره. وفجأة، التفت إليهم التفاتةً حاسمة قلّبَت الطاولة تماماً، وحوّلته سريعاً من حالة الاختناق والشرود إلى الهجوم العقلاني، لينتقل من موقف المُستجوَب المُحاصر إلى موقف الندّ الحصيف الذي يملك أوراقاً تمنحه وزناً وثقلاً أمام ثلاثتهم، ثم انطلقت الكلمات من فمه:
ـ سأطرح عليكم فكرة عن أمن السوق وهي نتاج دراسة بحثية كشفت عما هو مستور، وأظهرت ما أُخفي عنوة عن العيون. تلك الدراسة الرصينة أماطت اللّثام عن الكثير، وكشفت عن أسُس وسلوك أصحاب العقول، وأخذت ما خفّ من تلك الأسرار وما ثَقل!
وقف الثلاثة مذهولين بانتظار ما سيكشفه بائع العربانة الحصيف. خيم الصمت المطبق على المكان، وتلاشت نظرات الانتصار التي كانت ترتسم على وجوههم، وحلت مكانها ملامح الوجوم والارتباك؛ فلم يكن في حسبان الذين ظنوا أنهم أصحاب العقول والقوة من مسؤولي أمن السوق، أن هذا الكادح البسيط يملك في جعبته الكثير. تبادل منصور وسعيد نظرات مضطربة، بينما انقبضت أسارير سليمان العموري وتجمدت ملامحه وهو يحاول استشفاف مدى خطورة ما يعرفه أحمد.
لكن أحمد لم يُبال بالاستخفاف به وبفكرته؛ فقطع ذلك التوجس، وأخذ يعرض مسار الفكرة ويرسم خطوات الأمن في السوق، وقال بنبرة واثقة:
ـ إن أمن السوق الحقيقي لا يتحقق بإحكام القبضة على الأبواب، أو بتشديد الرقابة على العادات والتقاليد كما تظنون؛ فالمجتمع ليس عدواً يُحاصَر. مسار الأمن الصائب يقوم على ‘الشراكة الواعية’ وليس الرّصْد الخفيّ؛ السوق يحتاج إلى حماية مصادر رزق الناس وتأمين تجارتهم من الاحتكار والفساد، لا إلى زرع العيون لرصد الأنفاس والمصطلحات.
وعندما يشعر كل بائع ومتجوّل أنّ هذا المكان يحفظ حقه بالعدل، سيتحوّل المجتمع تلقائياً إلى خط الدفاع الأول عن أمن السوق دون حاجة لترهيب أو إلى طلاسم رصْد خفيّة.
وبينما كان أحمد يطرح أفكاره ودراسته، دخل عليهم رجل في الخمسين من عمره؛ داكن اللون، نحيف الجسم، وألقى تحية شبه عسكرية، فرد عليه سليمان بهدوء باسطاً يديه على الطاولة في استقامة تامة. كان هذا الرجل الوافد هو ‘سامر الأحمر’، المسؤول الأول في مشروع البحر الشرقي المعروف بمشروع الماء الأزرق، وقد استمع إلى تحاورهم وجدالهم عبر منظومة المراقبة المخبرية في السوق؛ حيث ترتبط مسؤولية السوق الكبير بمشروعه ارتباطاً وثيقاً. شهد سامر على استفزازهم لأحمد، وترددت في ذهنه عبارات سليمان العموري الساخرة، فداخله إعجاب شديد بأفكاره الرصينة التي تسعى لصون أمن السوق وحمايته.
وكان صوت أحمد لم يزل يتردد على مسامعه: سأطرح عليكم فكرة عن أمن السوق.. همس الرجل الخمسيني في أذن سليمان العموري بنبرة حاسمة:
ـ يا رجل، ما هكذا يُدار الوضع العملي، وليس هذا ما نريده! لا تشتت ذهنية الرجل؛ فقد كان موافقاً وفاهماً حتى أدخلتموه في دهاليز غموضكم. اتركوا الطبخة حتى تستوي؛ فالطبخاتُ لا تُؤكل بعجلة بل بتذوّق طاهٍ حصيف. أحمد لا نريد أن نخسرهُ مطلقاً، وإن لم تفعل ما أقوله لك، فسوف نُغيّر المجموعة بأكملها! نريد أن نمنحه شعوراً بالاستقرار والأمان أولاً، ثم هو من سيقود كل تلك الأفكار إلى برّ الطمأنينة والنجاح.
لم ينطق سليمان العموري بكلمة، لكن عينيه وملامح وجهه كانت تتحدث عن واقع جديد؛ فقد كانت همسات الرجل الخمسيني حاسمة، وقادرة على تغيير مجرى التوافق مع أحمد في كل ما يُريد.
اقترب سليمان من أحمد، وقال بنبرة انكسار كظيمة:
ـ كلام أحمد صحيح.. ضعف القوة مرض، فليس بعد العزّة إلا المَسْكنة! أنا معك ـ وأشار بأصبعه إليه ـ فأنت من هذه اللحظة مسؤولٌ عن مكتب أمن السوق، وقد أُبلغنا باختيارك لتتولى هذه المهمة. سوف نذهب معاً إلى المؤسسة الأمنية في المدينة الكبرى؛ لتتعرّف أكثر على مسؤوليتك ومهامك العملية في خدمات أمن السوق، ولك كامل الحرية في أن تختار من يكون معك، سواء أكنّا نحن أو غيرنا.
قال أحمد بلطف وثقة تعلو وجهه:
ـ ألست القائل إن بائع ‘العَربانة’ لا يفقه في أمن السوق شيئاً، وأن كلامي مجرد أوهام؟ ها أنت ذا الآن تسلمني المفاتيح، وتدعوني إلى المدينة الكبرى.
لم يرد سليمان، وصمت سعيد ومنصور في وجوم وذهول، بينما كان سامر الأحمر يقف بينهم مستمعاً إلى أحمد وهو يعيد تدوير كلامهم المسموم ويواجههم به بثبات؛ وكأنما يجبرهم على الاعتراف بوزنه، وبما يطرح من أفكار بديلة في خدمة أمن السوق.
تبسم سامر الأحمر ابتسامة خفيفة نمت عن إعجابه الشديد بذكاء أحمد، ثم التفت بنظرة صارمة نحو سليمان العموري الذي ابتلع ريقه بصعوبة وقد كسَتْ وجهه حُمرة الحرج.
يتبع 11