أخبار

لماذا؟ وعدمية الإجابة | جريدة الرؤية العمانية

د. هبة العطار

لماذا؟ استفهام يستفيض بي إلى غرق في السؤال، ورذاذ أبيض يتكثف في جوف سحابة خائنة، تراود الريح لتعبر إلى الغمام، كأن السماء تخبئ في تجاويفها مطرا لا يريد الهطول، وكأن قيظ الحقيقة تجمد في ثنايا برد مسافر إلى أقاصي التجمد، فلا الشمس قادرة على إذابة الغموض، ولا الصقيع قادر على إخماد احتراق المعنى.

دعوني أرقب المشهد في طريق العائدين من المعارك؛ رجل تهاوى في انحناءة مثقلة برجولة تآكلت في الغياب، وامرأة تساقط جلدها على أرصفة الرماد المنسكب من احتراق الغرائز، وأرجوحة تتهادى ببقايا طفل لم يعد من رحلته المهيضة في العبث البريء، وظل يمشي وحيدا على رصيف الذاكرة، يجر حقائب مثقلة بأسماء لم يعد أصحابها يعرفون الطريق إلى العودة.

في أقصى المشهد، غيمة تئن تحت وطأة المطر الذي لم يهطل، وأرض تشققت من فرط انتظار الغيث، وطائر يُرفرف بجناحين أنهكهما التحليق نحو سماء أغلقت أبوابها في وجه العابرين، ومرآة تتشظى كلما حاول وجه الحقيقة أن يستعيد ملامحه، وساعة معلقة على جدار الزمن تدور عقاربها حول لحظة لم تقع، كأن العمر كله ينتظر حدثا ضل طريقه إلى الوجود.

فى كل عقل حى خواطر يقظة تبوح بشغف عن أسرار كلت عذابات التخفي من حملها في منفى الظلام، وأبواب مواربة تتدلى من عتباتها خيوط الأمل الأخيرة، ونوافذ أكل الغبار ملامح الضوء على زجاجها، وأرواح تقف على حافة البوح، ترتجف شفاهها بما لم تقله، ثم تعود إلى صمتها كأن الكلام خيانة أخرى للمعنى، وكأن النجاة لا تحتاج إلى طريق بقدر ما تحتاج إلى يقين لم يعد أحد يملكه.

إفاقة في غرقي تستنجد بلا نجاة، فهل كان التيه قدرا للخطى، أم أن الطرق أضاعت أسماءها حين انطفأت المصابيح في عيون الدليل؟ وهل أضاعت الحقيقة ملامحها في مرايا الخوف، أم أننا أطلنا الوقوف أمامها حتى لم نعد نعرفها؟!

لماذا؟ كلما أوشكت أن أقبض على طرف الإجابة، انفرط السؤال في يدي كحبات مسبحة انقطع خيطها، وتدحرجت الحيرة في أودية الروح، حتى صار اليقين غريبا في موطنه، وصارت النجاة احتمالا يلوح من وراء الضباب ثم يغيب، وصار السؤال بحرا لا تنتهي مياهه، ولا يبلغ الغارق فيه شاطئا، ولا تكف روحه عن البحث عن نافذة في جدار العدم.

كلما توغلنا فى مجاهلنا بزغ سؤال يفتح في الوعي ألف نافذة، ولا يترك في جدار الطمأنينة موضعا واحدا للاتكاء، ومن حقيقة تقف على حافة الكشف ثم تتراجع إلى عتمتها، ومن عقل يواصل الإبحار رغم يقينه بأن بعض البحار لا تخفي شواطئها فحسب، بل تخفي أسماء الجهات أيضا، حتى يصبح الوصول ضربا من الوهم، ويغدو الغرق أحيانا هو الشكل الأخير لمحاولة الفهم.

لماذا؟ لا تزال روحي تبحر بي إلى عدم في الإجابة، كلما ظننت أنني اقتربت من مرفأ، انحسر اليابس تحت قدمي، وكلما أغمضت عيني لأستريح من السؤال، استيقظت في جوفه من جديد، كأنني لم أكن أبحث عن إجابة بقدر ما كنت أبحث عن شيء يعيد إلى العالم منطقه، وإلى الحقيقة وجهها، وإلى الروح قدرتها على احتمال ما تعرفه وما لا تعرفه. 

اترك تعليقاً

إغلاق