أخبار

الذكاء الاصطناعي وعصر ما بعد الهيمنة

د. فاتن فريد الدوسري

تتجاوز القيمة السوقية لشركة “إنفيديا”، إحدى أبرز شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، 5 تريليونات دولار أمريكي، أي ما يعادل ضعف حجم اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة. وهذه الشركة مجرد مثال، فهناك العديد من الشركات الأخرى، خاصة في قطاع الذكاء الاصطناعي، التي تسير بخطى متسارعة نحو مضاعفة هذا الرقم.

وأن تتجاوز القيمة السوقية لشركة واحدة حجم اقتصادات دول بأكملها، فهو مؤشر جلي على تفوق تلك الشركات في القوة والنفوذ، كما يعد مؤشراً قوياً على أفول عصر الهيمنة المطلقة للدول.

وبات من المسلّم به أن عصر الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة قد انتهى، في ظل جدل عميق حول شكل النظام الدولي القادم. إذ يرى البعض أنه سيستقر على الثنائية القطبية بين واشنطن وبكين، بينما يتوقع آخرون نظاماً متعدد الأقطاب لا يزال في طور التكوين، في حين يذهب فريق ثالث إلى احتمال بروز أحادية قطبية تقودها الصين.

وبرز اتجاه جديد يرى، أولاً من حيث المبدأ، أن عصر الهيمنة القطبية الأحادية قد ولّى إلى غير رجعة، وثانياً أن العالم يتجه، على الأرجح، إلى نظام دولي شبه فوضوي يتسم بسيولة شديدة، لا وجود فيه لهيمنة مطلقة للدول، ولا لأقطاب دولية مهيمنة، ولا لاحتكار الدول للقوة والنفوذ، وذلك بفضل الوتيرة المتسارعة لتطور الذكاء الاصطناعي.

ويمثل التحول الهائل في موازين القوة العالمية، بفعل الذكاء الاصطناعي، المنطلق الرئيس لعصر ما بعد هيمنة الدولة. إذ ستنتقل القوة تدريجياً إلى مالكي تقنيات الذكاء الاصطناعي من حيث التطوير والابتكار والاستثمار والتنقيب عن الموارد النادرة، وغالباً ما سيكونون شركات أو أفراداً. والمقصود هنا ليس انهيار قوة الدول أو سيادتها، وإنما تراجع نفوذها لصالح تلك الشركات المطورة والمحتكرة للتقنيات التي تحتاج إليها الدول بشدة. وعلى مستوى النظام الدولي، ستصبح هذه الشركات رقماً صعباً في تحديد ميزان القوى العالمي، وربما تقود العالم إلى حالة من شبه الفوضى واللاقطبية.

وبخلاف سيطرة الفواعل من غير الدول على تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإن الدول نفسها قد تصبح عاجزة عن السيطرة الكاملة على مسار تطوره المتسارع، ولا سيما في ما يتعلق بتداعياته السلبية، مثل سهولة اختراق السيادة الوطنية، ونشر الفوضى والأكاذيب والتضليل، واستهداف البنى التحتية المدنية والعسكرية، وحتى النووية. كما يبرز تحدٍ اقتصادي بالغ الخطورة يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة نتيجة الطفرة في التصنيع والبحث والابتكار. ومن ثم، ستُستنزف الدول الكبرى قبل الصغرى اقتصادياً وسياسياً في مواجهة هذه المخاطر، بما يضعف قدرتها على فرض الهيمنة الدولية أو حتى الإقليمية.

والذكاء الاصطناعي، وهو ما نشهد بوادره اليوم، يعيد أيضاً تشكيل ميزان القوى العسكرية بصورة جذرية. إذ ستصبح الغلبة لمن يمتلك القدرة على تطوير أسلحة وبرامج عسكرية فعالة تعتمد على الذكاء الاصطناعي. وهنا لا يتعلق الأمر بالدول الكبرى وحدها، ولا بالأموال فقط، رغم أهميتها، بل بالقدرة على الابتكار السريع وبتكلفة منخفضة، وهي قدرة قد تتوافر حتى لمنظمات إرهابية بفضل مهندس عبقري. ولعل قدرة أوكرانيا على تحويل الحرب مع روسيا، إحدى أكبر القوى العسكرية في العالم، إلى حرب استنزاف عبر الطائرات المسيّرة، تمثل دليلاً واضحاً على صعوبة احتكار القوة العسكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ومن المعروف أيضاً أنه لا يمكن لأي دولة أن تضطلع بدور قيادي عالمي أو إقليمي من دون قوة عسكرية متطورة. ومن ثم، فإن الحديث عن أقطاب دولية في عصر الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى إعادة نظر، لا سيما أن الشركات العسكرية الخاصة قد تصبح اللاعب الأكثر تأثيراً في التصنيع والابتكار العسكري. فأوروبا، على سبيل المثال، تشهد نمواً ملحوظاً في هذه الشركات التي تمتلك رؤوس أموال ضخمة للبحث والتطوير، في وقت تحجم فيه معظم الحكومات الأوروبية عن التوسع في التصنيع العسكري تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والمطالب الاجتماعية المتزايدة.

وخلاصة القول، إن العالم، في ظل الطفرة المتسارعة للذكاء الاصطناعي، يتجه نحو نظام شبه فوضوي، تتأرجح فيه موازين القوة بسرعة بين الدول والفواعل من غير الدول، مع استحالة احتكار القوة بصورة مستدامة، وكذلك استحالة انفراد طرف واحد بالسيطرة على الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي قد يقود، بدرجة كبيرة، إلى عالم لا قطبي للمرة الأولى في التاريخ.

اترك تعليقاً

إغلاق