أخبار

بتسيلم “توثق جرائم الإبادة الإسرائيلية”


عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

“إبادتنا”… شهادة من داخل إسرائيل يصعب نكارها

في النزاعات والحروب، كثيراً ما تُرفض شهادات الضحايا بحجة أنَّها تصدر عن طرف في الصراع، وتُتهم بالتسييس أو بالمبالغة، لكن عندما تأتي الشهادة من داخل الدولة نفسها، ومن منظمة إسرائيلية كرّست أكثر من ٣٧ عاماً لتوثيق الانتهاكات بحق الفلسطينيين، فإنِّها تكتسب وزناً أخلاقياً وقانونياً خاصاً، حتى لدى من يختلف مع استنتاجاتها.

 

هذه هي قصة بتسيلم (B’Tselem)، مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، الذي تأسس عام ١٩٨٩ على يد مجموعة من الأكاديميين والمحامين وأعضاء كنيست سابقين، إيماناً بأنَّ استمرار الاحتلال لا يُمكن أن يكون مبرراً لانتهاك الحقوق الأساسية للإنسان. واختارت المنظمة اسمها من الكلمة العبرية «بتسيلم» التي تعني «على صورة الإنسان»، في إشارة إلى المبدأ التوراتي القائل إنَّ جميع البشر خُلقوا على صورة الله، وبالتالي فإنَّ كرامتهم وحقوقهم لا يجوز المساس بها.

منذ تأسيسها، لم تكن بتسيلم منظمة احتجاجية تكتفي بإصدار بيانات سياسية، بل بنت منهجها على التوثيق الميداني. فقد أنشأت أرشيفاً ضخماً يضم آلاف الشهادات، والصور، ومقاطع الفيديو، والخرائط، والإحصاءات، والوثائق القانونية المتعلقة بالضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة. ومع مرور الوقت، أصبحت تقاريرها مرجعاً مهماً للباحثين، ووسائل الإعلام الدولية، والمنظمات الحقوقية، ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة، بصرف النظر عن اختلاف المواقف من استنتاجاتها.

وخلال العقود الماضية، أصدرت المنظمة عشرات التقارير حول الاستيطان، وهدم المنازل، والقتل خارج نطاق القانون، وعنف المستوطنين، والاعتقالات، والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، وظروف الاحتجاز، وسياسات العقاب الجماعي.

 وفي كل مرة تقريباً كانت تواجه هجوماً حاداً من الحكومات الإسرائيلية، ولا سيما من أحزاب اليمين، التي اتهمتها بأنها تسيء إلى صورة إسرائيل وتوفر مادة دعائية لخصومها.

وتصاعدت تلك المُواجهة عام ٢٠٢١ عندما خلصت بتسيلم، في تقرير أثار جدلاً واسعاً، إلى أنَّ النظام القائم بين البحر المتوسط ونهر الأردن يمثل نظام فصل عنصري (Apartheid). وقد رفضت الحكومة الإسرائيلية هذا التوصيف، لكن التقرير شكّل نقطة تحول في النقاش الحقوقي الدولي، إذ أعقبته تقارير مشابهة من منظمات دولية أخرى.

ثم جاء تقرير «مرحباً بكم في الجحيم»، الذي تناول أوضاع المعتقلين الفلسطينيين، ليزيد من حدة التوتر بين المنظمة والسلطات الإسرائيلية، قبل أن تبلغ المواجهة ذروتها مع التقرير الذي حمل عنوان “إبادتنا” (Our Genocide)، الصادر في يوليو ٢٠٢٥.

هذا التقرير لم يكن مجرد توثيق جديد لآثار الحرب في غزة، بل مثّل تحولاً جذرياً في خطاب المنظمة. فقد خلص إلى أن ما يجري في القطاع يرقى – وفق تقييمها القانوني – إلى جريمة إبادة جماعية، مستنداً إلى ما وصفته بنمط العمليات العسكرية، وحجم الدمار، وأعداد الضحايا المدنيين، وسياسات التجويع والتهجير، والتدمير واسع النطاق للبنية الأساسية، إضافة إلى تصريحات لمسؤولين إسرائيليين اعتبرتها المنظمة مؤشرات على توافر القصد المطلوب قانونياً. وفي المقابل، رفضت الحكومة الإسرائيلية هذه الخلاصة بشكل قاطع، مؤكدة أن عملياتها العسكرية تستهدف حركة حماس وتمارس حقها في الدفاع عن النفس بعد هجمات ٧ أكتوبر ٢٠٢٣.

لكن اللافت في التقرير لم يكن استنتاجه القانوني فحسب، بل عنوانه أيضاً. فالمنظمة لم تقل «الإبادة في غزة»، ولم تقل «الإبادة الإسرائيلية»، وإنما اختارت كلمة واحدة تحمل دلالات أخلاقية عميقة: “إبادتنا”.

إنها كلمة تعني، في جوهرها، أن ما يجري لا ينبغي التعامل معه بوصفه أفعال حكومة بعيدة عن المجتمع، بل مسؤولية أخلاقية تواجه الإسرائيليين أنفسهم. ولهذا اعتُبر التقرير كسراً لأحد أكبر المحرمات داخل إسرائيل، حيث يرتبط مفهوم الإبادة الجماعية في الوعي الجمعي بالمحرقة النازية، الأمر الذي جعل استخدامه ضد الدولة الإسرائيلية يُثير صدمة سياسية وإعلامية واسعة.

ولم تتأخر ردود الفعل. فقد تعرضت بتسيلم لهجوم عنيف من أحزاب اليمين، واتُّهمت بأنها «تخدم أعداء إسرائيل» و«تشوه سمعتها»، بينما تعرض العاملون فيها لحملات تحريض وتشكيك في وطنيتهم، وازدادت الدعوات إلى تقييد نشاطها وتجفيف مصادر تمويلها. ولم يكن ذلك جديداً، إذ إن المنظمة واجهت على مدى سنوات محاولات متكررة لتهميشها وعزلها عن الرأي العام الإسرائيلي، لكنها واصلت عملها وفق المنهج نفسه، معتمدة على التوثيق الميداني ونشر الوثائق الأصلية.

ورغم أن بتسيلم لا تمتلك سلطة إصدار الأحكام أو فرض العقوبات، فإن تأثيرها الدولي لا يُستهان به. فتقاريرها تُقرأ في الجامعات، ويستشهد بها الباحثون، وتتناولها وسائل الإعلام العالمية، كما يعتمد عليها عدد من المنظمات الحقوقية الدولية بوصفها مصدراً مهماً للمعلومات الميدانية. وهي، بهذا المعنى، لا تصنع القرار السياسي، لكنها تسهم في بناء السجل التاريخي والقانوني الذي قد تستند إليه مستقبلاً لجان التحقيق والمحاكم المختصة.

ومن المفارقات أن هذه المنظمة لا تحظى بالشهرة نفسها لدى الرأي العام العربي، رغم أنها من أكثر الأصوات الإسرائيلية جرأة في انتقاد سياسات الاحتلال. وربما يعود ذلك إلى تركيز الإعلام العربي على المصادر الفلسطينية والدولية، مع إغفال أهمية الأصوات الإسرائيلية المعارضة التي تكتسب شهادتها وزناً خاصاً لأنها تصدر من داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

قد يختلف البعض مع استنتاجات بتسيلم القانونية، وقد يرفضها آخرون بالكامل، لكن من الصعب إنكار أنها اختارت، منذ أكثر من ٣٧ عاماً، طريقاً بالغ الكلفة، يقوم على مواجهة الرواية الرسمية بالوثيقة، والإنكار بالشهادة، والدعاية بالأدلة.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الذي سيطرحه التاريخ: ماذا كتبت بتسيلم؟

بل سيكون: إذا كانت الوقائع موثقة، والشهادات منشورة، والصور محفوظة، والتقارير صادرة من داخل إسرائيل نفسها، فلماذا عجز العالم عن التحرك في الوقت المناسب؟

 

الوثائق الأصلية

يمكن للقارئ الاطلاع على تقارير ومنشورات بتسيلم باللغة العربية وتحميلها مباشرة من موقع المنظمة:

https://www.btselem.org/arabic/publications

 

 

 

اترك تعليقاً

إغلاق