أخبار

“أطفال الشاشات”.. بين الحظر وصناعة الوعي

 

 

 

ناصر بن سلطان العموري

nasser.alamoori@gmail.com

 

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحولت إلى جزء أساسي من تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حياة الأطفال الذين باتوا يتعاملون مع العالم الرقمي منذ سنواتهم الأولى. وبينما فتحت هذه المنصات آفاقًا واسعة للتعلم والمعرفة والتفاعل، فإنها في المقابل أوجدت تحديات متزايدة دفعت كثيرين إلى التساؤل: كيف يمكن حماية الأطفال من مخاطر هذا العالم المفتوح؟!

هذا التساؤل عاد إلى الواجهة مع تزايد الدعوات إلى فرض قيود على استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي؛ بل إن بعض الدول أصدرت قرارات تمنع من هم دون سن الخامسة عشرة من استخدامها، انطلاقًا من مخاوف مرتبطة بالتنمر الإلكتروني، والمحتوى غير الملائم، والإدمان الرقمي، وتأثير الاستخدام المفرط على الصحة النفسية والتحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية، وهي مخاوف مشروعة لا يمكن تجاهلها في ظل ما يشهده العالم من تغيرات متسارعة في طبيعة التواصل والتأثير.

وفي المقابل، تسمح بعض التشريعات للفئة العمرية بين 15 و16 عامًا باستخدام هذه المنصات ضمن ضوابط إضافية تشمل تصنيف المحتوى وفق الفئة العمرية، وتقييد التفاعل مع المستخدمين المجهولين، وتوفير أدوات لإدارة الوقت، إلى جانب الإشراف الأبوي، في محاولة لتحقيق قدر من التوازن بين الحماية والاستفادة.

وفي خضم هذا الجدل، يبرز اتجاه يرى أن الحظر هو الطريق الأسرع والأكثر فاعلية لحماية الأطفال من هذه المخاطر، خاصة في المراحل العمرية التي لا يمتلك فيها الطفل القدرة الكافية على التمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار. فالأطفال بطبيعتهم أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى الذي يشاهدونه، وأكثر قابلية للانجذاب إلى ما تقدمه هذه المنصات من عناصر التشويق والإثارة.

غير أن الاتجاه المقابل يرى أن الحظر وحده لا يمثل حلًا كاملًا، بل قد يكون إجراءً مؤقتًا لا يعالج جوهر المشكلة. فالتقنية أصبحت جزءًا من الواقع اليومي، ومن الصعب عزل الأجيال الجديدة عنها بشكل كامل، كما أن الأطفال اليوم يمتلكون مهارات رقمية تجعل تجاوز بعض القيود أمرًا ممكنًا، مما يطرح تساؤلًا مهمًا حول جدوى الاعتماد على المنع دون بناء وعي حقيقي.

ومن هنا تبرز أهمية التربية الرقمية بوصفها الخيار الأكثر استدامة. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر كيفية استخدام التقنية بشكل مسؤول، ويدرك مخاطر مشاركة المعلومات الشخصية، ويستطيع التمييز بين المحتوى المفيد والمحتوى المضلل، سيكون أكثر قدرة على حماية نفسه حتى في غياب الرقابة المباشرة. كما أن دور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المدرسة والمؤسسات المعنية في غرس ثقافة الاستخدام الآمن والمسؤول للتقنية.

غير أن الحديث عن حماية الأطفال في العالم الرقمي لا يمكن أن يقتصر على المنصات أو التشريعات وحدها، فجزء كبير من المسؤولية يقع على عاتق الأسرة نفسها. ففي كثير من الأحيان، تحول الهاتف الذكي من وسيلة ترفيه مؤقتة إلى رفيق دائم للطفل، وأصبح بعض الآباء والأمهات يلجأون إليه لشغل أوقات أبنائهم أو تهدئتهم دون متابعة كافية لما يشاهدونه أو يتفاعلون معه. ومع اتساع الفجوة الرقمية بين الأجيال، بات من الضروري أن يواكب أولياء الأمور هذا الواقع الجديد، ليس من خلال المنع فقط، بل عبر الحوار والتوجيه والمشاركة؛ لأن الوعي الذي يُبنى داخل المنزل يظل أكثر تأثيرًا من أي قيود تقنية أو تشريعية خارجية.

إن حماية الأطفال في الفضاء الرقمي لا ينبغي أن تُختزل في خيار واحد بين الحظر أو الإتاحة المطلقة، بل في إيجاد توازن يجمع بين التشريعات المنظمة، والرقابة الواعية، والتثقيف المستمر. فالعالم يتجه نحو مزيد من الرقمنة، والأطفال سيكونون جزءًا من هذا العالم شئنا أم أبينا.

لذلك، قد يكون الحظر أداة من أدوات الحماية في بعض المراحل العمرية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن صناعة الوعي. فالمجتمعات التي تنجح في إعداد أبنائها للتعامل مع التقنية بوعي ومسؤولية هي الأقدر على تحويل هذه المنصات من مصدر للمخاطر إلى مساحة للمعرفة والإبداع وبناء المستقبل.

اترك تعليقاً

إغلاق