أخبار
مطار صلالة.. هل بدأ «البوني» يحرك البوابة؟

خالد بن أحمد العامري
في مقالنا السابق بعنوان «مطار صلالة … البوابة التي لم تفتح بعد»، المنشور بجريدة «الرؤية» في ديسمبر 2025، كانت الفكرة الأساسية التي طرحنا في المقال حول الإمكانات الكبيرة التي يمتلكها مطار صلالة، أن المشكلة لم تكن في الجدوى الاقتصادية للمطار، ولا في موقعه الجغرافي أو قدرته على استقطاب الحركة الجوية، وإنما في منهجية التخطيط لاستثمار هذه المقومات، وفي كيفية تحفيز الاستثمار بما يمكن أن يحول المطار إلى مركز محوري لشركات الطيران.
وهذا التحول لا يقتصر أثره على قطاع الطيران وحده، وإنما يمكن أن يخلق سلسلة واسعة من الآثار الاقتصادية، تبدأ بالوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتمتد إلى قطاعات الخدمات والنقل والضيافة والتجزئة، وصولاً إلى تعزيز التكامل اللوجستي بين مطار صلالة وميناء صلالة والمنطقة الحرة بصلالة.
واختيارنا لمصطلح «البوني» عنوانًا لمقالنا هو مصطلح ظفاري يُطلق على الباب الصغير الموجود داخل البوابة الكبيرة، أو ما يُعرف محليًا بـ«السدة». ومن هنا تأتي دلالته في هذا المقال؛ في سياق خطوة طيران السلام بإنشاء مركز تشغيلي في مطار صلالة، وإضافة ثلاث وجهات مباشرة من صلالة إلى جدة ووجهتين في القارة الهندية إلى شبكة الرحلات، لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد إضافة لوجهات جديدة، وإنما بوصفها خطوة أولى نحو تحريك «البوابة» وفتح المجال أمام دور أكبر يمكن أن يؤديه المطار في منظومة النقل الجوي والاقتصاد العُماني؛ فهذه الرحلات يمكن أن تكون نواة لشبكة أوسع تربط صلالة بمدن أخرى في آسيا والشرق الأوسط، وربما بشرق أفريقيا، بما يُعزز موقعها كنقطة اتصال جوية بين أسواق مختلفة.
أهمية القرار لا تكمن فقط في أسماء الوجهات الثلاث، وإنما في كلمة «مركز تشغيلي»؛ فوجود مركز تشغيلي يعني أن صلالة تتجه لأن تكون أكثر من محطة تصل إليها الطائرات وتغادرها؛ بل يمكن أن تصبح قاعدة تنطلق منها الرحلات وتتمركز فيها الطائرات والكوادر والخدمات المرتبطة بالتشغيل الجوي.
وهذا هو التحول الذي كنا نتساءل عنه في المقال السابق: كيف يمكن لمطار صلالة أن يستثمر إمكاناته وموقعه، وأن يتحول من مطار يخدم الحركة الموسمية والرحلات الداخلية إلى مركز جوي أكثر حضورًا على مدار العام؟
ولا يعني ذلك أن يكون مطار صلالة منافسًا لمطار مسقط الدولي، بل على العكس؛ يمكن أن يكون رافدًا آخر له وشريكًا في منظومة النقل الجوي العُمانية، بحيث تتكامل الأدوار بين المطارين، ويصبح لكل منهما دوره في خدمة الحركة الجوية الدولية وتوزيعها واستقطابها، بما يزيد من قدرة سلطنة عُمان على المنافسة في سوق النقل الجوي الإقليمي.
والاستفادة الحقيقية من هذه الخطوة تتطلب استراتيجية متكاملة لاستثمار مطار صلالة، تبدأ من الطيران ولا تنتهي عنده. فالمرحلة المقبلة تتطلب استقطاب شركات طيران أخرى، وفتح مزيد من الخطوط الدولية المباشرة، وتعزيز رحلات الشحن الجوي وتسويق صلالة كوجهة سياحية واستثمارية وتجارية.
وهنا تعود أهمية الفكرة التي طرحناها في المقال السابق حول تحفيز الاستثمار؛ فاستقطاب شركات الطيران لصلالة لا ينبغي أن يترك فقط لعوامل السوق، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من سياسة استثمارية متكاملة توفر الحوافز المناسبة، وتربط حركة الطيران بالأهداف الاقتصادية، وتضع أمام المستثمر صورة واضحة عن الفرص المتاحة والعوائد الاقتصادية الممكنة، وتعزيز التكامل بين مطار صلالة وميناء صلالة والمنطقة الحرة بصلالة.
هذه العناصر يمكن أن تشكل معا قاعدة اقتصادية مهمة المطار للنقل الجوي، والميناء للنقل البحري، والمنطقة الحرة للاستثمار والصناعة والخدمات اللوجستية؛ حيث إن وجود مركز جوي نشط يمكن أن يدعم حركة الشحن الجوي، ويعزز حركة التجارة، ويفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الخدمات اللوجستية، كما يمكن أن يخلق وظائف مباشرة في قطاع الطيران، ووظائف غير مباشرة في القطاعات المرتبطة به.
وهذا هو جوهر الفكرة فالمطار ليس مشروعًا منفصلا عن منظومة التنمية، وإنما يمكن أن يكون أحد محركات الاقتصاد والتنويع الاقتصادي وخلق فرص العمل، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية “عُمان 2040”.
ومن هنا، فإن الاستثمار في مطار صلالة هو استثمار في اقتصاد عُمان وفرص العمل وتنويع مصادر الدخل، وليس استثمارًا في قطاع الطيران وحده.
إن خطوة طيران السلام تستحق التوقف عندها، ليس فقط لأنها إنجاز للشركة، وإنما لأنها خطوة ينبغي البناء عليها. وما نحتاجه الآن هو الانتقال من مرحلة انتظار الفرصة إلى صناعة الفرصة، ومن التعامل مع المطار كمرفق خدمي إلى التعامل معه كأصل اقتصادي واستثماري واحد روافد التنمية للاقتصاد الوطني.
وإذا كان «البوني» قد بدأ يحرك البوابة، فإن التحدي الحقيقي الآن هو أن تُفتح البوابة كاملة، لا أن تظل مواربة. وهذا يتطلب استكمال منظومة الخدمات التشغيلية في المطار، وفي مقدمتها تطوير منظومة مرافق صيانة الطائرات وتموينها، وجعل من مطار صلالة مركزًا جويًا وتجاريًا ولوجستيًا فاعلًا، ورافدًا ومحركًا لخلق الوظائف وتنويع مصادر الدخل وتعزيز الاقتصاد العُماني.