أخبار
الصين تبني.. والاحتلال يجفف | جريدة الرؤية العمانية

بقلم: د. جمالات عبدالرحيم
حديث من 1400 سنة
قال رسول الله ﷺ: «اطلبوا العلم ولو في الصين».
كلمة واحدة غيّرت خريطة العالم.
لم تكن الصين مجرد بلد بعيد، بل كانت قبلة للعلم والتجارة.
واليوم، في عام 2026، وفي توقيت يتصاعد فيه التنافس الأمريكي مع الصين، يأتي الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، ليفتح أبوابًا كثيرة في وقت يحاول فيه آخرون إغلاقها.
الماضي يقول: «علم وتجارة»، والحاضر يقول: «حصار وتجويع».
أولًا: الماضي.. تاريخ مشترك من الاحترام
1. مصر والصين.. أول المصافحات
في عام 1956، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية.
لم ننتظر أحدًا، بل مدَدنا يدنا لمن احترمنا.
والتجار المسلمون سبقونا بألف عام؛ فقد وصلوا إلى مدينة جوانزو، وأنشأوا المساجد، وحملوا الحرير والتوابل، وأخذوا معهم الورق والبوصلة.
لم تدخل الصين يومًا بجيوش، ولم تحتل، ولم تقسّم.
دخلت بقوافل، وبقلم، وبميزان.
2. ماذا قالت الصين عن مصر؟
قال الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال زيارته إلى القاهرة، عبارة تستحق أن تُكتب بماء الذهب:
«مصر هي أرض النيل، وهي أرض التاريخ العريق الذي يشعر فيه الإنسان بالراحة النفسية والهدوء».
كما قال:
«من يشرب من مياه النيل يعود إليه».
ثانيًا: «سر النيل» في حديث الرئيس شي
لم يكن كلام الرئيس الصيني صدفة.
حين قال: «من يشرب من مياه النيل يعود إليه»، كان يعبّر عن احترامه لهذا النهر ومكانته في الوجدان المصري.
أي سر؟
السر أن الله جعل في هذا النيل قصة نبي اسمه موسى عليه السلام، أرسله لمواجهة فرعون مصر الطاغية.
فالنيل في الوجدان المصري والعربي والإسلامي ليس ماءً فقط؛ بل هو نهر التحرير، ونهر المواجهة، ونهر كسر هيمنة الطغيان.
والقرآن الكريم، الذي جاء بالعلم ومحاربة الجهل وفتح الأبواب، قصّ علينا القصة كاملة، وكيف واجه الحق الباطل، وكيف سقطت هيمنة من قال: «أنا ربكم الأعلى».
فحين تأتي الصين اليوم لتحترم النيل، فهي تحترم تاريخ التحرر.
وحين يأتي غيرها ليجففه، فهو يعيد نموذج فرعون: «سأمنع عنكم الماء حتى تخضعوا».
ثالثًا: الحاضر.. الطوق يكتمل حول مصر
في المقابل، نرى اليوم مشروعًا آخر في الشرق الأوسط؛ مشروعًا لا يقوم على العلم ولا على التجارة.
1. نبوءة العطش
نسمع في بعض الخطابات والإعلام عبارات من قبيل:
«النيل سيجف في مصر».
«إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات».
«سنجعلهم يصيحون من العطش».
وتحوّل الكلام، بحسب هذا الطرح، إلى أفعال: سدّ في الجنوب، وضغوط سياسية، وحصار مائي.
2. غلق الأبواب الأربعة
غزة: حرب ودمار وتهجير قسري باتجاه سيناء. فالأرض التي استرددناها باتفاقية كامب ديفيد يريدون، وفق هذا الطرح، إعادتها إلينا محمّلة بقنبلة بشرية.
أرض الصومال: قاعدة واعتراف، بما يراه الكاتب محاولة لغلق باب المندب في وجه الصين ومصر.
إثيوبيا: استخدام ملف المياه كورقة ضغط.
الاقتصاد: ديون وعقوبات وعزلة عن أي شريك لا يرضخ.
3. منطق كامب ديفيد الجديد
«تطبيع مقابل صمت».
صمت على الإبادة، وصمت على الفساد، وصمت على تجفيف النيل.
دول كثيرة سقطت، ومصر قالت: «لا»، فصارت، وفق هذا التصور، مستهدفة.
رابعًا: الفرق بين نموذجين
نموذج الصين ليس كنموذج الاحتلال.
سوف نجد الصين تبني مصانع وطرقًا وموانئ، بينما الاحتلال، وفق رؤية الكاتب، يهدم ويحاصر ويجوّع.
الصين تقول: «نبني سويًا»، بينما الاحتلال يقول: «اخضع أو تجوع».
الصين تحترم سيادة الدولة، بينما الاحتلال يفرض الوصاية والعقوبات.
الصين تفتح أبواب العلم، بينما الاحتلال يغلق أبواب الحياة.
مصلحة الصين أن تكون مصر قوية، فتشتري وتبيع وتنتج وتشارك.
أما الاحتلال الأمريكي-الإسرائيلي، وفق هذا الطرح، فمنطقه الهيمنة، ومصلحته أن تظل مصر ضعيفة وتعيش في حالة من الاحتياج.
خامسًا: لماذا الشرق الأوسط كله في خطر؟
لأن المنطقة ليست جزرًا منعزلة.
قناة السويس، وباب المندب، والنفط، والغاز؛ كلها شرايين للعالم.
لو جف النيل، ولو اشتعلت سيناء، ولو سقطت مصر، فإن العالم كله سيدفع الثمن: مجاعة، ولجوء، وحروب.
هذا ليس تهويلًا، بل هو ما قد يحدث عندما يتحول مفهوم «الشرق الأوسط الجديد» إلى مشروع للتقسيم والتهجير.
وقد تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في شرق أوسط جديد، فيما يرى الكاتب أن استهداف إيران، ومحاولات إضعاف مصر وعزلها، والضغط على مواردها المائية، تتقاطع مع أفعال إسرائيلية، بحسب هذا الطرح.
إن الشعوب العربية، وفق هذه الرؤية، أصبحت كالعجينة الطيّعة في يد احتلال لا يحترم الإنسانية ولا يقدّر الحضارات القديمة.
الخاتمة: ما الفرق بين من يطلب العلم ومن يطلب العبودية؟
يا سادة، المعركة اليوم ليست دبابات فقط.
إنها معركة وعي، ومعركة ماء، ومعركة مصير.
الحديث النبوي ما زال حيًا في الوجدان: «اطلبوا العلم».
اطلبوه ممن يبني معك، لا ممن يهدمك.
الصين جاءت لتبني وتحترم النيل، وغيرها، وفق هذا الطرح، جاء ليجففه.
والفرق بينهما، في جوهر المقال، هو الفرق بين موسى وفرعون.
سيناء عادت بالدم، والنيل لن يجف إلا على جثثنا.
ومصر التي بدأت طريق التواصل والتجارة مع الصين منذ عقود، هي التي ستكسر الطوق.
إن مصر بوابة أفريقيا، ورمانة الميزان، وستظل قادرة على صناعة الفارق في المنطقة.