أخبار
العقول المشخصنة!! | جريدة الرؤية العمانية

د. صالح الفهدي
كادت إحدى المؤسسات أن تفقدَ مهندسًا ذو كفاءة عالية، وحاصلٌ على رخصٍ متميِّزةٍ صنَّفته إِثرها الكلية التي تخرَّج منها في المملكة المتحدة بأنه أحد أَميز الطلاب في الشرق الأَوسط وعلَّقت صورته في لوحةِ الشرف. كلَّ ذلك التميُّز لم يشفع له عند رئيس الوحدة الذي كان يلقِّبه بـ ” Licence Collectors” أي “جامع الرُّخَص” بل أنه نظر بشخصنةٍ نحو موضوع انتقالهِ من قسمٍ لآخر فوافقَ على أَمرِ استقالته بعد أن أنفقت عليه المؤسسات أموالًا طائلة، لكن تدخلًا من أحد الذي لم يسرَّهم القرار أوقف أمر خروجه، ورتَّب له مقابلة مع الوزير المسؤول عن تلك المؤسسة فقابله وعالج الأمر بحنكةٍ وحكمة وأَبقاهُ في المؤسسة بوعودٍ معيَّنة تقتضيها المرحلة.
مؤسسة أُخرى فقدت كفاءة من كفاءات أحد أبناء الوطن الذين ابتعثوا لبرنامجٍ مهم، فالتحق بجامعةٍ تعدُّ الأميزَ على مستوى العالم، ويقتضي دخولها شروطًا معقَّدة لكنه تمكَّن من دخولها، والتخرُّج منها بتميُّز، غير أن المؤسسة شخصنت موضوع التحاقه بها، ففقدت خدمة واحد من أكفاء أبناءِ الوطن.
في الحقيقة فإنَّ الشخصنة هي داءٌ أُبتليت به بعض المؤسسات، وهو نتيجة لبعض العقليات التي لا ترجِّحُ مصلحةَ المؤسسة بقدرِ ما ترجِّحُ انطباعاتها ومشاعرها وآراءها الشخصية الضيقة، فإن كان صاحبُ الكفاءة لا يروق لأحد أصحاب القرار أو المؤثرين فيه أقصاه بغضِّ النظر عن مدى الفائدة التي كانت ستستفيدها منه المؤسسة، وفي هذا السياق يُقال: “القيادة تتطلب وضع التحيزات أو الرغبات الشخصية جانبًا عند اتخاذ القرار”.
إن المؤسسة التي تستثمر في الإنسان ثم تسمح للشخصنة بأن تفقدها إياه، تشبه من يزرع شجرة لسنوات ثم يقطعها لأنه اختلف مع البستاني! وهُنا تبرزُ الحصافة وبعد النظر في اتخاذ القرار: هل ستستفيد المؤسسة من هذا الموظف؟ وهل خسارته تخدم المصلحة العامة أم تضر بها؟.
إن القرار المؤسسي إن لم يتجرَّد من المواقف الشخصية المنفصلة عن الموقف المؤسسي، فإنَّه سيكون ضرراً على المؤسسة، لأن القرار الشخصية سيتحوَّل إلى معيار للحكم على كفاءة العنصر البشري واستحقاقه ومصلحة المؤسسة في الاحتفاظ به.
إن خسارة أية مؤسسة للمورد البشري بسببٍ من الشخصنة لا تجعل المؤسسة تخسر فرداً فحسب؛ بل تخسِّرها سنوات من الاستثمار في الإنسان، وتبعث برسالة محبطة إلى بقية الكفاءات، ثم تدفع ثمن ذلك لاحقًا حين تكتشف أن من غادر لم يكن مجرد موظف، بل كان قيمة مضافة يصعب تعويضها.
لقد اكتشفت بعض المؤسسات بعد أن تخلَّت عن كفاءاتها بسبب الشخصنة حينما احتاجت بعد وقت إلى خبرة ذلك المورد البشري المهم واضطرَّت إلى التعاقد مجدَّداً مع آخرين، عندئذ يكون القرار الشخصي القديم الذي اتخذ قد تحول إلى تكلفة مؤسسية ووطنية يصعب قياسها.
وفي مفارقةٍ بين الدين وممارسةِ البعض فإننا نجدُ نهي القرآن الكريم عن الشخصنة في قول الحق سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
(المائدة: 8)، فالآية الكريمة تقدم قاعدة عظيمة في العدل لا تقتصر على العلاقات الاجتماعية، بل تمتد إلى كل موضع يكون فيه الإنسان صاحب حكم أو مسؤولية أو قرار.
وهُنا نرى أن الإسلام لا يفترض أن الإنسان لن يختلف مع الآخرين، أو أنه سيحب كل من يتعامل معهم؛ فقد يختلف المدير مع موظف، وقد ينشأ بينهما خلاف، وقد لا يرتاح أحدهما للآخر لكن المعيار الأخلاقي يبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها هذا الشعور الشَّخصي إلى قرار غير عادل.
لقد جاءت الآية بترتيب بليغ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، ثم قالت مباشرة: ﴿اعْدِلُوا﴾. وكأن الرسالة: قد تحمل في نفسك ما تحمل، لكن لا تسمح لمشاعرك أن تفرض عليك قراراتك.
أذكرُ في هذا الموقف تقريراً سنويًّا كيديًّا كتبه مديرٍ ضد نائبهِ لأنه “لا يدخلُ مكتبهُ إلَّا لعمل” ويكفي أن تكون هذه الجملة شاهداً على الشخصنة وأن المدير لا يكتفي بالتعامل في إطار العمل وحسب!.
الشاهد أن الكلام قد يطول في الشخصنة وأثرها على المؤسسات التي لن تقوم لها قائمة إن سيطرت عليها “العقول المشخصنة” ففي ذلك بُعدٌ عن الموضوعية، والمصداقية، والمهنية، وقد عبّر الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون عن خطورة الحكم المتأثر بالمصلحة الشخصية بقوله: “الطريق إلى الخطأ أن تجعل المصلحة الشخصية معيارًا للحكم.” والمعنى الإداري لهذه الفكرة واضح: عندما تدخل الاعتبارات الشخصية في تقييم الأداء واتخاذ القرار، يصبح من الصعب أن تبقى العدالة معيارًا ثابتًا.