أخبار
زلزال يهز عرش إنفانتينو.. تمرد عالمي يُسقط مشروع «بيع المونديال» ويضع مستقبل رئيس الفيفا على المحك

– خطة بقيمة 20 مليار دولار تتهاوى خلال أيام.. استقالة مستشار بارز واتهامات بخداع الموظفين و«يويفا» يعلن فقدان الثقة في قيادة الاتحاد الدولي
الرؤية- أحمد السلماني
أُسدل الستار سريعًا على واحدة من أكثر الخطط التجارية إثارة للجدل في تاريخ الاتحاد الدولي لكرة القدم، بعدما أعلن رئيس «الفيفا» جياني إنفانتينو رسميًا عدم المضي قدمًا في مشروع تأسيس شركة تجارية جديدة، كان من المقرر أن تتولى إدارة الحقوق التجارية والعمليات التشغيلية لبطولات الاتحاد الدولي، مقابل فتح الباب أمام مستثمرين من القطاع الخاص لامتلاك حصة أقلية فيها.
وجاء تراجع إنفانتينو في أعقاب عاصفة غير مسبوقة من الاعتراضات والضغوط، بدأت من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم «يويفا»، قبل أن تمتد إلى اتحاد أمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف» والاتحاد الآسيوي لكرة القدم، بالتزامن مع انقسام حاد داخل الإدارة العليا للفيفا واستقالة أحد أبرز مستشاري رئيس الاتحاد الدولي.
وأكد إنفانتينو، في بيان رسمي صدر مساء الجمعة 31 يوليو 2026، أن مشروع «فيفا فورورد إنتربرايز» أحدث انقسامات لم تعد تخدم الهدف الذي طُرح من أجله، مشيرًا إلى أنه استمع إلى مختلف الآراء، وأن المقترح لن يستمر. وقال إن الغاية الأساسية كانت تعزيز قدرات الاتحادات الوطنية وتطوير كرة القدم عالميًا، خاصة في الدول الأكثر احتياجًا للدعم، قبل أن يعترف بأن حجم الانقسام الذي أحدثته الخطة جعل استمرارها غير ممكن.
وفي الرؤية سنستعرض تفاصيل المشروع من البداية وحتى النهاية السريعة
شكة تجارية تبتلع أصول الفيفا
وكانت الخطة تقوم على إنشاء شركة تابعة تحمل اسم «فيفا فورورد إنتربرايز»، تتولى تجميع الأنشطة التجارية للفيفا، بما فيها حقوق البث التلفزيوني والرعاية والتذاكر والتراخيص، إلى جانب الجوانب التشغيلية المتعلقة بتنظيم بطولات الاتحاد الدولي للرجال والسيدات والشباب، وفي مقدمتها كأس العالم وكأس العالم للأندية.
وحدد الفيفا قيمة أولية للشركة الجديدة تبلغ 20 مليار دولار، مع التخطيط لجمع ما يصل إلى 4.2 مليار دولار خلال عام 2026، عن طريق بيع حصص أقلية غير مسيطرة لمستثمرين خارجيين، بما يعادل نحو 20% من قيمتها التقديرية. وشدد الاتحاد الدولي، خلال طرح المشروع، على أنه سيحتفظ بالسيطرة الكاملة على الشركة، وبجميع الصلاحيات المتعلقة بالحوكمة الرياضية ولوائح المسابقات وجدول المباريات والقرارات التنظيمية والفنية.
وشملت قائمة الأطراف المرتبطة بالمشروع شركة «ثرايف إترنال»، التابعة لمنظومة «ثرايف كابيتال» التي أسسها المستثمر الأمريكي جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. كما استعان الفيفا ببنك «جيه بي مورجان» للعمل على الهيكلة المالية وجذب المستثمرين، إلى جانب عدد من المستشارين التجاريين.
وأثارت هذه الروابط السياسية والمالية مزيدًا من الشكوك داخل أوساط كرة القدم الأوروبية، لا سيما في ظل العلاقة الوثيقة التي ظهرت بين إنفانتينو والرئيس الأمريكي خلال مونديال 2026، وهو ما دفع معارضي المشروع إلى المطالبة بالكشف الكامل عن هوية المستفيدين المحتملين وآليات اتخاذ القرار.
مليارات التطوير أم شراء لمواقف الاتحادات؟
قدم الفيفا مشروعه باعتباره وسيلة لإحداث توسع تاريخي في تمويل تطوير كرة القدم حول العالم، إذ اقترح رفع مخصصات كل اتحاد وطني خلال دورة 2027-2030 من 8 ملايين دولار إلى 20 مليونًا، ثم زيادتها إلى 22 مليون دولار في دورة 2031-2034، و24 مليونًا في دورة 2035-2038.
كما تضمن المشروع برنامجًا اختياريًا جديدًا باسم «فيفا فاست فورورد»، يتيح لكل اتحاد وطني من الاتحادات الـ211 الحصول على تمويل استثنائي لمرة واحدة يصل إلى 20 مليون دولار، مخصص لمشروعات مثل الملاعب ومراكز التدريب والبنية الأساسية. وبذلك كان بإمكان كل اتحاد الحصول على ما يصل إلى 40 مليون دولار خلال المرحلة الأولى، موزعة بين التمويل الاعتيادي المطور والمنحة الرأسمالية الاختيارية.
لكن منتقدي الخطة رأوا أن تقديم هذه المبالغ قبل التصويت على المشروع يمثل محاولة لاستمالة الاتحادات الوطنية وضمان تأييدها، خصوصًا أن الفيفا اشترط دعم أغلبية أعضائه قبل تأسيس الشركة، وحدد يوم 19 سبتمبر موعدًا لاتخاذ الاتحادات مواقفها من المقترح.
«يويفا» يقود تمردًا غير مسبوق
قاد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم جبهة الرفض، معتبرًا أن حقوق بطولات كأس العالم ليست أصولًا تجارية يجوز نقلها إلى شركة يشارك في ملكيتها مستثمرون من القطاع الخاص.
وأكد «يويفا» في بداية الأزمة أن كرة القدم لا يملكها الفيفا حتى يبيعها، وأن روح اللعبة وحوكمتها ليستا أصولًا قابلة للتداول، منتقدًا انعدام الشفافية بشأن الأطراف التي ستحقق مكاسب مالية من المشروع. ووصف الاتحاد الأوروبي الخطة بأنها تجاوز للحدود التي يتعين على المؤسسات الرياضية عدم تخطيها.
وتصاعد الموقف بصورة دراماتيكية عندما اتفقت الاتحادات الأوروبية الـ55 بالإجماع على مقاطعة مسابقات الفيفا في حال استمرار المشروع، في خطوة هددت بانقسام شامل داخل منظومة كرة القدم العالمية، ووضعت مصير كأس العالم وبقية البطولات الدولية أمام أزمة تنظيمية وسياسية غير مسبوقة.
ولم يبق الاعتراض أوروبيًا فقط، إذ أعلن «كونكاكاف» رفضه للخطة، بينما أكد الاتحاد الآسيوي ضرورة أن تُصاغ مستقبل كرة القدم العالمية عبر التشاور السليم والحوار الجماعي واحترام هياكل الحوكمة المعتمدة، وهو ما عمّق عزلة إنفانتينو وأفقد المشروع إمكانية الحصول على إجماع واسع.
استقالة كورديرو وانفجار الأزمة من الداخل
لم تتوقف الضغوط عند الاتحادات القارية، بل امتدت إلى داخل مقر الفيفا، بعد استقالة كارلوس كورديرو، المستشار البارز لإنفانتينو والرئيس السابق للاتحاد الأمريكي لكرة القدم، احتجاجًا على المشروع.
ووصف كورديرو الصفقة بأنها سيئة لأعضاء الفيفا ولكرة القدم ولمستقبل اللعبة على المدى الطويل، مؤكدًا أنه لم يشارك في إعدادها، ومتسائلًا عن الحاجة إلى جمع 4.2 مليار دولار من مستثمرين خارجيين رغم امتلاك الفيفا احتياطيات مالية كبيرة وعدم تحمله ديونًا مؤثرة.
وجاء الانفجار الأكبر عندما وجه كيفن لامور، الرئيس التنفيذي للعمليات في الفيفا، انتقادات مباشرة إلى إنفانتينو، وقال إن الموظفين تعرضوا للتضليل بسبب غياب الشفافية في التخطيط للمشروع، واصفًا إياه بأنه «مشروع شخص واحد».
وأكد لامور أن الخطة لا يجب أن تستمر، ودعا القيادات السياسية في كرة القدم إلى طرح الأسئلة الصحيحة واتخاذ القرارات المناسبة، في موقف كشف عن انهيار الثقة داخل أعلى المستويات الإدارية للاتحاد الدولي.
دفاع لم يصمد سوى ساعات
حاول الفيفا في البداية احتواء الغضب، فأصدر بيانًا قال فيه إن التقارير الإعلامية غير الدقيقة عطلت عملية التشاور المقررة، مؤكدًا أن «أحدًا لا يبيع كرة القدم»، وأن الشركة الجديدة كانت ستظل مملوكة وخاضعة لسيطرة الفيفا بصورة دائمة.
وأوضح الاتحاد الدولي أن المستثمرين سيملكون حصصًا أقلية غير مسيطرة، ولن تكون لهم صلاحيات تشغيلية أو رياضية، وأن أي تغيير لن يحدث من دون موافقة أغلبية الاتحادات الوطنية ومجلس الفيفا.
غير أن هذا الدفاع لم ينجح في وقف التصعيد، إذ تحولت الأزمة خلال ساعات من خلاف حول نموذج استثماري إلى تمرد سياسي ضد قيادة إنفانتينو، خصوصًا بعد تلويح أوروبا بالمقاطعة وانضمام آسيا و«كونكاكاف» إلى جبهة الرفض، فضلًا عن الاستقالة والانتقادات الداخلية.
وفي نهاية المطاف، اضطر إنفانتينو إلى إعلان سحب المقترح، مؤكدًا أن مهمته تتمثل في توحيد كرة القدم وتطويرها، وأنه سيعمل خلال الأيام والأسابيع المقبلة على إعادة جمع الأطراف المعنية واستعادة الحوار بينها.
«يويفا»: التراجع لا يغلق الملف
لم يعتبر الاتحاد الأوروبي إلغاء المشروع نهاية للأزمة، بل أصدر بيانًا شديد اللهجة أعلن فيه أن قيادة الفيفا الحالية فقدت ثقة «يويفا» وثقة عدد كبير من أعضاء أسرة كرة القدم.
وأكد الاتحاد الأوروبي أن جميع الخيارات يجب أن تبقى مطروحة، مطالبًا بتحديد المسؤولين عن إعداد الخطة ومحاسبتهم، ورافضًا استمرار ما وصفه بالمشروعات السرية التي تُطرح ضمن جداول زمنية سريعة ومن دون شفافية كافية أو فائدة واضحة للعبة.
وأشار «يويفا» إلى أنه سيعمل مع الاتحادات الأوروبية وبالتنسيق مع الاتحادات القارية الأخرى، للتحقيق في كيفية ظهور المشروع ووضع ضمانات تمنع تكرار مثل هذه الممارسات مستقبلًا.
انتكاسة ثالثة في عهد إنفانتينو
لا تعد هذه المرة الأولى التي يضطر فيها إنفانتينو إلى التخلي عن مشروع تجاري أو تنظيمي ضخم بسبب المعارضة.
ففي عام 2018، حاول رئيس الفيفا تمرير عرض بقيمة 25 مليار دولار مرتبط بمجموعة «سوفت بنك» اليابانية، بهدف تأسيس مسابقات عالمية جديدة، لكن المشروع سقط بعد اعتراضات أوروبية واسعة ومخاوف من تأثيره في دوري أبطال أوروبا وبطولات المنتخبات القارية.
وفي عام 2021، طرح إنفانتينو فكرة إقامة كأس العالم كل عامين بدلًا من أربعة أعوام، إلا أن المقترح واجه رفضًا من اتحادات قارية ومن اللجنة الأولمبية الدولية، قبل أن يتراجع الفيفا عنه.
لكن الأزمة الحالية تبدو أكثر خطورة، لأنها لم تقتصر على رفض مشروع بعينه، وإنما تحولت إلى مواجهة مباشرة حول أهلية إنفانتينو لمواصلة قيادة الاتحاد الدولي، بعد اتهامه بالعمل بعيدًا عن المؤسسات وبإخفاء تفاصيل جوهرية حتى عن كبار الموظفين.
انتخابات 2027.. العرش لم يعد آمنًا
تأتي هذه الانتكاسة قبل أشهر من انتخابات رئاسة الفيفا المقبلة، المقررة في 18 مارس 2027 بمدينة الرباط المغربية، فيما تنتهي مهلة الترشح في 18 نوفمبر 2026.
وتسمح لوائح الفيفا لإنفانتينو بالترشح لولاية جديدة تمتد حتى عام 2031، بعدما انتُخب رئيسًا لأول مرة عام 2016، ثم جُددت ولايته دون منافسة في عامي 2019 و2023. وكان النجاح المالي الكبير لمونديال 2026 يجعل إعادة انتخابه تبدو محسومة، إلا أن أزمة «فيفا فورورد إنتربرايز» أعادت خلط الأوراق وفتحت الباب أمام احتمال ظهور منافس قوي.
ويحتاج أي مرشح إلى 106 أصوات لضمان الأغلبية في حال وجود منافسة، وهو رقم يمكن أن يصبح صعبًا على إنفانتينو إذا تحولت جبهة الرفض، التي تضم قطاعات واسعة من أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، إلى تحالف انتخابي منظم.
ورغم أن الاتحادات القارية لا تصوت عادة كتلة واحدة، فإن توحيد مواقفها ضد المشروع أظهر أن إنفانتينو لم يعد يتمتع بالحصانة السياسية التي رافقت سنواته الماضية، وأن الانقسام لم يعد بين الفيفا واليويفا فقط، وإنما داخل المؤسسة الدولية نفسها.
سقوط المشروع وبقاء الأزمة
نجح الضغط الجماعي في إسقاط مشروع بيع حصة من الذراع التجارية لبطولات الفيفا، لكن الأسئلة التي فجرها المقترح ما زالت مفتوحة: من أعد الصفقة؟ ولماذا لم تُعرض مبكرًا على الاتحادات القارية ومجلس الفيفا؟ وما طبيعة العلاقات بين القائمين على المشروع والمستثمرين المحتملين؟ وهل كان الهدف الحقيقي تمويل تطوير كرة القدم، أم تأسيس كيان تجاري جديد يتيح إدارة أهم أصول اللعبة بعيدًا عن الرقابة التقليدية؟
أما المؤكد، فهو أن إنفانتينو خرج من المواجهة بأكبر هزيمة منذ توليه رئاسة الفيفا. فقد سقط المشروع خلال أيام، وانهارت جبهة الدعم من حوله، وخرجت الخلافات الداخلية إلى العلن، بينما انتقل «يويفا» من الاعتراض على الخطة إلى التشكيك المباشر في شرعية القيادة الحالية.
وبينما أعلن رئيس الفيفا عزمه إعادة توحيد أسرة كرة القدم، تبدو الطريق إلى انتخابات 2027 أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى، بعدما أثبتت الأزمة أن قوة إنفانتينو المالية والتنظيمية يمكن أن تصطدم، للمرة الأولى، بتحالف عالمي قادر على إيقاف مشروعاته ووضع مستقبله في الفيفا تحت المحاسبة.