أخبار

لنسأل اللغة: هل ما زلنا أقوامًا؟

 

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي**

لو أن أحدنا عاد بالزمن ألف عام إلى الوراء، ثم وقف في سوق من أسواق العرب، أو في نادٍ من أنديتهم، أو عند مضارب القبائل في ليلة عربية، لسمع النداء يتردد في الأرجاء: “يا قوم!”، وكأن الكلمة مفتاح الحديث، وعنوان الخطاب، وجسر العبور إلى القلوب.

فمن هم القوم؟ ولماذا التصقت هذه الكلمة بالعرب حتى كادت تكون جزءًا من موسيقى لغتهم اليومية؟

الحكاية تبدأ من الجذر العربي العجيب: (ق و م)، وهو جذر يكاد يكون من أكثر الجذور العربية حيويةً وحركةً. فالقيام ضد القعود، والقيامة نهوض بعد سكون، والقِوام ما تقوم به الحياة، والاستقامة اعتدال في السلوك، والقيمة منزلة الشيء ومقداره.

إنها أسرة لغوية كاملة تدور حول معنى واحد كبير: القيام، والاعتدال، والثبات، والنهوض.

ومن هنا جاءت كلمة القوم، والقوم في أصل الاستعمال جماعة من الناس يقوم بعضهم ببعض، ويتساند بعضهم إلى بعض، ويشكلون كيانًا واحدًا متماسكًا. وكأن العربي القديم كان ينظر إلى الجماعة على أنها بناء لا ينهض إلا بأعمدته، فإذا سقط أحدها اختل البناء كله.

لهذا لم يكن نداء “يا قوم” مجرد لفظة عابرة، بل كان إعلانًا عن رابطة الانتماء. فحين يقول الخطيب: “يا قوم”، فإنه لا يخاطب آذان الناس فقط، بل يخاطب ما يجمعهم من نسب، أو وطن، أو عقيدة، أو مصير.

ولعل هذا يفسر كثرة ورود الكلمة في القرآن الكريم، فما أكثر ما نقرأ على ألسنة الأنبياء: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.

تتكرر في مواضع عديدة، على لسان نوح، وهود، وصالح، وشعيب، وغيرهم عليهم السلام.

ومن لطائف التعبير القرآني أن الأنبياء، رغم مخالفة أقوامهم لهم، لم يتخلوا عن هذه الرابطة اللفظية. كانوا يقولون: “يا قوم”، لا “يا هؤلاء”. ففي النداء اعتراف بالانتماء، وحرص على الهداية، واستدعاء لعاطفة القربى والمودة.

أما الأقوام فهي جمع قوم، غير أن اللفظة حين تأتي بصيغة الجمع الواسع توحي بتعدد الشعوب والجماعات، واختلاف البيئات والثقافات. فالقوم جماعة واحدة، أما الأقوام فحديقة إنسانية واسعة تتجاور فيها الألوان، واللغات، والعادات.

والأجمل من ذلك أن الجذر نفسه يمتد ليصل إلى عالم التربية والتعليم.

فحين نتحدث اليوم عن التقويم التربوي، فإننا نظن أحيانًا أن الكلمة لا علاقة لها إلا بالاختبارات، والدرجات، والنماذج الإلكترونية. لكن الحقيقة اللغوية أعمق من ذلك بكثير.

فالتقويم في أصله ليس إصدار الأحكام، بل إقامة الشيء على وجهه الصحيح.

نحن لا نقوِّم الغصن إلا إذا كان معوجًا، ولا نقوِّم البناء إلا إذا مال عن استقامته.

ولهذا كان التقويم التربوي، في جوهره، عملية إصلاح، وتطوير، وتحسين، لا مجرد رصد للأخطاء.

ومن الجذر نفسه جاءت كلمة القِوام؛ أي ما تستقيم به الأمور وتعتدل. نقول: هذا الأمر قِوام الحياة، أي عمادها الذي تقوم عليه. ونقول: فلان حسن القوام، أي معتدل البنية، متناسقها.

وهكذا نجد أنفسنا أمام عائلة لغوية مدهشة: القوم، والقِوام، والقيام، والاستقامة، والتقويم، والقيمة…

كلمات تبدو متفرقة، لكنها في الحقيقة تدور حول فكرة واحدة: أن يكون الشيء قائمًا على وجهه الصحيح.

ولعل أجمل ما في اللغة العربية أنها لا تمنحنا الكلمات فحسب، بل تمنحنا طرائق في التفكير. فحين كان العربي يقول: “يا قوم”، كان يستدعي معنى الجماعة التي يقوم بعضها ببعض. وحين نقول اليوم: “التقويم التربوي”، فإننا -من حيث نشعر أو لا نشعر- نستدعي المعنى نفسه: إصلاح ما يحتاج إلى إصلاح حتى يستقيم ويقوم على وجهه الأكمل.

لذلك، إذا سمعت يومًا خطيبًا يقول: “أيها القوم”، فلا تظن أنه يستعمل كلمة قديمة فحسب، بل تذكّر أنك أمام كلمة عمرها قرون طويلة، تحمل في حروفها معنى النهوض، والتماسك، والاستقامة، وكأنها تقول لنا جميعًا: لا تكونوا أفرادًا متفرقين، بل كونوا قومًا… يقوم بعضكم ببعض.

وبعد رحلةٍ بين القوم، والقِوام، والتقويم، والقيام، يبقى السؤال الذي يتجاوز حدود اللغة إلى حدود الواقع.

لقد عرف العرب قديمًا معنى القوم؛ كانوا يدركون أن القوم ليسوا مجرد أفراد تجمعهم الأرض، بل أرواح يجمعها المصير، وقلوب يشد بعضها بعضًا، فإذا اشتكى واحد منهم تداعى له الباقون كما تتداعى أعضاء الجسد الواحد.

أما اليوم، وبعد ما شهدته المنطقة من حروب، وانقسامات، وصراعات، وتمزقات، وبعد أن تكاثرت الحدود، وتباعدت المسافات بين القلوب أكثر مما تباعدت بين المدن، يعود السؤال القديم ليقف على أبوابنا من جديد، ليس بوصفه تحية عابرة، بل بوصفه سؤالًا وجوديًا مؤرقًا: كيف حالكم يا قوم؟

هل ما زلنا قومًا كما أرادت لنا لغتنا أن نكون؟ هل ما زالت بيننا تلك الوشائج التي يقوم بها بعضنا ببعض؟ أم أصبح كل واحد منا قائمًا وحده، يراقب سقوط الجدار من حوله دون أن يمد يده إلى حجرٍ واحدٍ ليسنده؟

إن اللغة تخبرنا أن القوم من القيام، وأن القِوام من الاستقامة، وأن التقويم إصلاح ما اعوجّ، ولعل أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى أن تستعيد هذه المعاني كلها معًا؛ أن تستعيد معنى القوم قبل أن تردد الكلمة، ومعنى القِوام قبل أن تطلب القوة، ومعنى التقويم قبل أن تبحث عن الحلول.

وحينها فقط، ربما نستطيع أن نجيب عن السؤال الذي عبر القرون، ولم يزل يتردد في الفضاء العربي بصوتٍ حزينٍ تارة، ومتفائلٍ تارة أخرى: كيف حالكم يا قوم؟

 

**شاعرة، وكاتبة، وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب، والفائزة بجائزة سرد الذهب، بدورتها الثالثة لعام 2026م

اترك تعليقاً

إغلاق