أخبار
الأبقار المقدسة في تاريخ الأمم

د. عبدالله الأشعل
لكل أمة في تاريخها أبقار مقدسة، والبقرة المقدسة معناها أن العقل والوثائق ليس لهما وظيفة في الحكم على الحوادث.
وكلما كان الشعب جاهلًا، وساحة المؤرخين خالية، والنفاق شائعًا، خلت الساحة من الحقائق.
وكلما عم الفساد، وضعفت الحرية، واشتد الاستبداد، كثرت العجول المقدسة.
وبصفة عامة، الأبقار المقدسة بهذا المعنى موجودة في تاريخ كل الأمم، ولكن بأقدار متفاوتة حسب المعايير التي ذكرناها.
ففي فرنسا مثلًا، الثورة الفرنسية ونابليون أبقار مقدسة، رغم أنها بعد ذلك أصبحت دولة ديمقراطية، ومع ذلك لم تفلح الديمقراطية في طرد الأبقار المقدسة من تاريخ فرنسا.
وفي تاريخ إنجلترا، الاستعمار بقرة مقدسة، تضاف إلى ذلك بعض الشخصيات مثل تشرشل.
وبعض الشخصيات فيها من الحقائق، كما فيها من الأبقار المقدسة، مثل ديجول في فرنسا وتشرشل في إنجلترا.
وفي مصر أبقار مقدسة كثيرة تمنع الحقائق في التاريخ المصري، خاصة الحديث والمعاصر.
ومن قبيل الأبقار المقدسة في التاريخ المصري: محمد علي باشا وأسرته، وثورة عرابي، التي لا يكفي أنها بقرة مقدسة، وإنما زاد المتحدثون عنها من الخيال ما يطمس الحقيقة، وثورة 1919، وشخصية الخديوي توفيق.
وفي التاريخ المعاصر تُعد من الأبقار المقدسة ثورة 1952م، وكافة الضباط الأحرار، اعتبارًا من محمد نجيب ومن خلفه، وخصوصًا عبد الناصر والسادات، والحقائق في البقرة المقدسة نادرة.
أما ثورة 25 يناير، وعلاقتها بثورة 30 يونيو، والإخوان، والعسكريين، فكلها أبقار مقدسة، ولكن الحقيقة فيها لم تظهر إلا بعد زوال الظروف المتعلقة بهذه الأحداث.
وقد يسأل سائل: ما أهمية الحقائق والأبقار المقدسة في التاريخ المصري؟
نقول إجابة عن هذا السؤال: الأمم الحية هي التي تكتب تاريخها بشكل حقيقي، وكلما كان الشعب واعيًا، والحكم ديمقراطيًا، وحب البلاد طاغيًا على الجميع، كان التاريخ أقرب إلى الحقائق منه إلى الأبقار المقدسة.
أما احتكار الحكم للمعلومات الصحيحة، وبث الأخبار المزيفة، فيصدر إلى الشعب الخرافات حول تاريخه. كذلك فإن فترات تاريخ مصر الحديث، على الأقل، والمعاصر منذ عام 1952، والحقائق حول الملكية والجمهورية، تحتاج إلى مراجعة جذرية، ولن يحقق هذه المراجعة الجيل الحالي، وإنما الأجيال المقبلة.
فمثلًا، جيلي نشأ وتربى في عصر معين، وأحاطته خطب وشعارات الزعيم، فأصبح الزعيم بقرة مقدسة عنده وعند جيله.
فلما اتضحت الحقيقة، نجا من أسر المرحلة، ووضع الأمور في نصابها، ولكن المشكلة هي في توفر الوثائق الدالة على الحقائق.
فلا تزال مفاهيم غامضة، وشعارات رنانة، تتكرر كل عام بشكل آلي، مثل: القومية العربية، والوحدة العربية، والرجعية، والاستعمار، وحركة التحرر، والصراع العربي الإسرائيلي، والسلام مع إسرائيل، كلها أبقار مقدسة عند معظم العرب والمصريين.
والحقيقة الوحيدة الثابتة هي أن الأمة العربية أمة واحدة، وأن العرب كانت فيهم فضائل معينة أفقدهم الأجنبي فضائلهم، وحلت ضلالات، أكبرها تخليهم عن الإسلام.
فعندما حاربوا تحت راية الإسلام دانت لهم الأرض، وأعزهم الله، ولما تخلوا عن الإسلام أذلهم الله، هذه هي المرحلة التي نعيشها.
وأنا أجري مناقشات مع العامة والخاصة، وأكتفي بالاستماع.
ففي مناقشة حديثة حول السادات مع البعض، أكد أحدهم أن السادات نبي وعبقري، وأن فهم السادات سيكتمل بعد قرون.
ولذلك كانت جنازة زوجته جنازة عسكرية إكرامًا له، رغم أني أعلم الحقيقة، بحاجة إلى توثيق.