أخبار
القيمة المحلية المضافة.. ماذا يبقى من الريال في عُمان؟

سهام بنت أحمد الحارثية
حضرت مُنتدى عُمان للمحتوى المحلي، ووسط الحديث عن الفرص والمشتريات ونسب المحتوى المحلي، ظل سؤال واحد حاضرًا في ذهني: عندما ننفق ريالًا واحدًا في مشروع داخل سلطنة عُمان، كم من هذا الريال يبقى فعلًا في الاقتصاد العُماني؟ والأهم، ماذا يصنع هذا الريال قبل أن يُغادر دورة الاقتصاد؟ ربما هنا يكمن المعنى الحقيقي للقيمة المحلية المضافة.
فالقيمة المحلية المضافة ليست فقط أن نعطي عقدًا لشركة عُمانية، أو نرفع نسبة التعمين، أو نضع بندًا للمحتوى المحلي في المناقصات، وإنما أن يتحول الإنفاق إلى سلسلة من الأثر الاقتصادي، تبدأ من المورد المحلي، وتمر بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتصل إلى الوظائف والتدريب والتصنيع ونقل المعرفة والتقنية والابتكار.
لكن بعد سنوات من تطبيق سياسات وبرامج المحتوى المحلي، أعتقد أن الوقت قد حان لنسأل سؤالًا أكثر صعوبة: هل نقيس حجم ما اشتريناه محليًا، أم نقيس ما استطعنا بناءه محليًا؟
فالفرق كبير بين الأمرين، قد نحقق نسبة مرتفعة من الإنفاق المحلي، لكن جزءًا من هذا الإنفاق قد يذهب إلى شركة محلية تستورد معظم منتجاتها من الخارج! في هذه الحالة يكون العقد محليًا، ولكن القيمة الاقتصادية التي بقيت داخل السلطنة أقل بكثير مما توحي به الأرقام، وهنا نحتاج إلى الانتقال من مفهوم «المورد المحلي» إلى مفهوم «القيمة المحلية الحقيقية».
كم منتج تم تصنيعه في عُمان؟ كم من مدخلاته محلي؟ كم وظيفة نوعية أوجدها؟ كم معرفة نقلها؟ كم تقنية تم توطينها؟ وكم مؤسسة عُمانية استطاعت بفضل هذه العقود أن تكبر وتنافس وتدخل أسواقًا جديدة؟
هذه في رأيي، هي المؤشرات التي يجب أن تقيس نجاح المحتوى المحلي في مرحلته القادمة والفرصة أمامنا اليوم كبيرة، فحتى سبتمبر 2026 تم طرح 2295 مناقصة مستقبلية عبر منصة «فرص» بقيمة تقارب 2.55 مليار ريال عُماني، كما ارتفع الإنفاق على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من 187 مليون ريال في عام 2022 إلى 279 مليون ريال في عام 2025.
لكن هذه الأرقام، على أهميتها، يجب ألا تكون نهاية القصة، بل بدايتها، فإذا كانت أمامنا مليارات الريالات من المشتريات والعقود والمشروعات خلال السنوات القادمة، فعلينا أن نسأل قبل تنفيذها: ما الذي يمكن أن نصنعه محليًا بدل استيراده؟ وما الخدمات التي يُمكن أن تقدمها شركات عُمانية؟ وما المهارات التي يمكن أن نبنيها؟ وما التقنيات التي يمكن أن ننقلها؟ وما الصناعات التي تستطيع هذه المشروعات أن تخلقها حولها؟
وهنا أرى أننا بحاجة إلى خطوة أبعد من القوائم الإلزامية للمشتريات المحلية، رغم أهميتها، إلى تحديد عدد من القطاعات والمنتجات الاستراتيجية التي نُريد توطينها خلال السنوات الخمس القادمة.
ففي السياحة، القيمة المحلية لا تقاس بعدد الفنادق وحدها، وإنما بمدى ارتباطها بالمزارع والمصنع والحرفي وشركة النقل والمنشأة الصغيرة والمورد المحلي، وفي التقنية والذكاء الاصطناعي، لا ينبغي أن يكون دورنا شراء الحلول والتقنيات فقط، وإنما بناء شركات ومنتجات وملكية فكرية وكفاءات عُمانية تستطيع أن تنتج التقنية وتصدرها.
ويمكن تطبيق المنطق نفسه على الصناعات الدوائية والغذائية ومواد البناء والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات التي نملك فيها طلبًا محليًا كبيرًا يمكن أن يتحول إلى قاعدة للإنتاج، ولكن التوطين لا يمكن أن يقوم على الحماية وحدها، فالمنتج العُماني يجب أن يكون قادرًا على المنافسة في الجودة والسعر والالتزام، والشركات المحلية تحتاج في المقابل إلى رؤية واضحة للطلب المستقبلي حتى تستطيع الاستثمار فمن الصعب أن تطلب من مستثمر إنشاء مصنع اليوم إذا كان لا يعرف حجم المشتريات المتوقعة بعد ثلاث أو خمس سنوات.
ولهذا ربما نحتاج إلى أن تتحول خطط المشتريات المستقبلية للمشروعات الكبرى إلى أداة استثمارية بحد ذاتها، نحدد من خلالها ما نستورد اليوم، وحجم ما نستورد، وما الذي يمكن تصنيعه في عُمان، ثم نعرض هذه الفجوات كفرص واضحة أمام المستثمرين ورواد الأعمال.
نقول لهم: هذه احتياجاتنا خلال السنوات الخمس القادمة، وهذه قيمة الطلب المتوقع، وهذه المنتجات التي نستوردها، وهذه الفرص التي نريد توطينها.
عندها تتحول المشتريات من عملية تشغيلية إلى أداة من أدوات السياسة الاقتصادية، كما أن نجاح المحتوى المحلي يتطلب علاقة مختلفة بين الشركات الكبرى والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فالمؤسسة الصغيرة لا تحتاج عقدًا فقط، بل تحتاج أحيانًا إلى المعرفة والتأهيل والتمويل والوقت حتى تصبح موردًا قادرًا على المنافسة والنجاح الحقيقي ليس أن تبقى المؤسسة الصغيرة معتمدة على الأفضلية الممنوحة لها، وإنما أن تستخدم هذه الأفضلية كمرحلة تنمو خلالها، حتى يأتي يوم تستطيع فيه أن تفوز بالعقد لأنها الأفضل، ثم تنتقل من السوق المحلي إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
لذلك، ربما يكون السؤال الذي يجب أن نضعه أمام أنفسنا في المرحلة القادمة بسيطًا جدًا: بعد 5 سنوات من اليوم، ماذا نريد أن نكون قد توقفنا عن استيراده لأننا أصبحنا نصنعه في عُمان؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال بوضوح، وربطنا به المشتريات الحكومية ومشتريات الشركات الكبرى، وبرامج تمويل المؤسسات، والتعليم والتدريب والاستثمار، فإنَّ القيمة المحلية المضافة ستنتقل من سياسة للمشتريات إلى سياسة لبناء الاقتصاد.
الاقتصادات لا تقوى فقط بحجم الأموال التي تدخل إليها، وإنما بقدرتها على إبقاء أكبر قدر من هذه الأموال يدور داخلها، وبقدرتها على تحويل الإنفاق اليوم إلى قدرة إنتاجية للغد، وهذا في تقديري هو التحدي والفرصة معًا فلا نقيس نجاح المحتوى المحلي فقط بما أنفقناه في عُمان، بل بما أصبحنا قادرين على إنتاجه في عُمان، ثم نصدره من عُمان إلى العالم.