أخبار
السلوك المهني.. عندما تتحول القيادة إلى أثر

سليمان بن سعود بن يونس الجابري **
في كل مدرسة هناك أمور تنتهي بانتهاء اليوم الدراسي، ولكن هناك أمور تبقى لسنوات طويلة في الذاكرة… قد تنسى الاجتماعات، وتنسى التعاميم الصادرة، وتتغير الخطط والبرامج بمختلف مسمياتها، لكن لا ينسى أحد كيف كان يعامل داخل بيئة عمله. فالاحترام يبقى، والعدل يبقى، والكلمة الطيبة تبقى، والقدوة الصادقة تبقى… وهذه هي الركائز الأساسية التي يقوم عليها السلوك المهني الحقيقي داخل أي مجتمع.
يشهد الميدان التربوي في سلطنة عُمان مرحلة تتطلب من جميع العاملين، بمختلف مسمياتهم الوظيفية، الانتقال من ثقافة تنفيذ الأعمال إلى ثقافة صناعة الأثر. فلم تعد المدرسة تقاس بعدد البرامج التي تنفذ، ولا بعدد التقارير التي ترفع، وإنما بما تحدثه من فرق في تعلم الطلبة بمختلف مراحلهم، ونمو المعلمين، واستقرار بيئة العمل. وهذا التحول يبدأ من الإنسان قبل أي نظام، ويبدأ من السلوك المهني قبل أي إجراء إداري.
السلوك المهني ليس مادة تكتب في دليل، ولا شعارًا يعلق على الجدران، لأنه ممارسة يومية تظهر في طريقة استقبال الزائر، وفي أسلوب إدارة الحوار، وفي كيفية معالجة الخطأ، وفي عدالة توزيع المسؤوليات، وفي احترام الوقت، وفي حفظ كرامة الجميع. لذا، عندما تصبح هذه القيم جزءًا من ثقافة المدرسة، تتحول بيئة العمل إلى بيئة يشعر فيها الجميع بالأمان والثقة والرغبة في الاستمرار والعطاء.
فمدير المدرسة اليوم ليس مسؤولًا عن إدارة المبنى فحسب، وإنما عن قيادة التعلم… فهو من يصنع ثقافة المؤسسة، وهو من يحدد مستوى العلاقات المهنية بين العاملين بمختلف مسمياتهم الوظيفية.
والمدير الناجح لا يبحث عن المقصر ليحاسبه قبل أن يبحث عن أسباب التقصير ويعالجها، ولا يقيس نجاحه بعدد التعليمات التي يصدرها، وإنما بعدد القيادات التي يصنعها داخل مدرسته… فهو يدرك أن المدرسة التي تعتمد على شخص واحد لن تستمر في التميز، بينما المدرسة التي تبني فريقًا مؤمنًا برسالتها قادرة على النجاح في كل الظروف.
ويأتي المدير المساعد ليكون الشريك الحقيقي في قيادة العمل اليومي، فهو الأقرب إلى تفاصيل الميدان، والأقدر على متابعة التنفيذ وتحويل الخطط إلى واقع حقيقي ملموس. وعندما يمارس دوره بروح الفريق، ويقترب من المعلمين، ويشاركهم التحديات، ويستمع إليهم قبل أن يصدر الأحكام، فإنه يبني جسورًا من الثقة تجعل العمل أكثر استقرارًا وأكثر جودة.
أما المشرف الإداري والمشرف التربوي، فقد تغيرت طبيعة أدوارهما بصورة كبيرة، فلم يعد نجاح الزيارة يقاس بعدد الملاحظات التي تسجل، ولا بعدد التوصيات التي تكتب، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي واقعي في الأداء. والزيارة الناجحة هي التي تغادر المدرسة وقد منحت العاملين فكرة جديدة، أو حلًا عمليًا، أو إيمانًا دافعًا للعمل، أو ثقة أكبر بقدراتهم… فالإشراف الحديث يقوم على الشراكة المهنية، وعلى التعلم المتبادل، وعلى احترام خبرات العاملين في الميدان.
ومن المهم أيضًا أن يدرك المعلم والإداري والفني أن الزيارة الإشرافية ليست اختبارًا، وإنما فرصة للتطوير والتحسين. فكل تغذية راجعة صادقة واقعية تمثل نافذة للتحسين، وكل توصية قابلة للتنفيذ هي خطوة نحو أداء أفضل. وعندما يصبح الحوار بين المشرف والمدرسة قائمًا على الصراحة والاحترام والبحث عن الحلول، فإن الجميع يكسب، ويكون المستفيد الأول هو الطالب.
إن الميدان التربوي لا يحتاج إلى مزيد من النقد بقدر حاجته إلى نماذج ملهمة في القيادة والعمل. يحتاج إلى مدير يصنع الثقة قبل أن يطالب بالإنجاز، وإلى مدير مساعد يساند فريقه في المواقف الصعبة، وإلى مشرف يوجه بعلمه ويكسب القلوب بأخلاقه، وإلى معلم يؤمن بأن التعلم رحلة مستمرة لا تتوقف عند سنوات الخدمة، وإنما تستمر مدى الحياة.
وقد أثبتت الخبرة أن المدارس الأكثر نجاحًا ليست بالضرورة الأكثر إمكانات، وإنما الأكثر انسجامًا في علاقاتها، والأوضح في رسالتها، والأصدق في تعاملها… فعندما تسود المهنية الواقعية تختفي كثير من المشكلات قبل أن تظهر، وعندما يحضر الاحترام يصبح الحوار أسهل، ويصبح التطوير أسرع، وتصبح المسؤولية مسؤولية الجميع، لا مسؤولية فرد واحد في المؤسسة.
إن أعظم استثمار في المدرسة ليس في الأجهزة، ولا في المباني، ولا في التقنيات الحديثة، وإنما في بناء الإنسان. فالمعلم الواثق يصنع طالبًا واثقًا، والقائد العادل يصنع بيئة مستقرة، والمشرف الحكيم يصنع ممارسات أكثر جودة. وكل ذلك يبدأ من سلوك مهني يترجم القيم إلى أفعال، ويجعل كل قرار، وكل كلمة، وكل موقف رسالة تربوية تبقى آثارها في النفوس قبل أن تسجل في الوثائق.
وفي النهاية، تبقى المناصب مراحل في حياة الإنسان، أما الأخلاق المهنية فهي الإرث الذي يتركه بعد رحيله… وقد ينسى الناس ما أنجزناه من أعمال، لكنهم لن ينسوا كيف جعلناهم يشعرون أثناء العمل معنا… ولذلك فإن القيادة التربوية الحقيقية لا تصنعها السلطة، ولا تصنعها اللوائح، وإنما تصنعها القيم التي تتحول كل يوم إلى ممارسات يراها الجميع ويعيشون أثرها داخل المدرسة، وعندها فقط تصبح المدرسة مؤسسة تعلم، تبني الإنسان، وتحقق الجودة، وتؤدي رسالتها الوطنية كما ينبغي.
**مدير مدرسة الإمام المهنا بن سلطان (10-12)