أخبار
إنهم يُثيرون الفتنة ونرد عليهم بالوعي والصّبر

حمد الناصري
إنّ التاريخ العُماني العريق يمثل نموذجاً استثنائياً في مسيرة الحضارة الإنسانية. لقد نجح الشعب العُماني عبر آلاف السنين في تقديم إرث حضاري وأخلاقي فريد، جمع بين شجاعة الإبحار وريادة التجارة، وبين قيم التسامح والانفتاح والتعايش السلمي التي شهدت بها الأمم.
بدءاً من حضارة مجان البحرية القديمة وتجارة النحاس واللبان، ووصولاً إلى بناء الإمبراطورية العُمانية التي نشرت السلام والتبادل الثقافي في البحار المفتوحة وفي شرق إفريقيا، كان السلوك العُماني دائماً مبنياً على ركائز أخلاقية راسخة من الاحترام والنزاهة، وهو ما يزال يمثل هوية وطنية يفخر بها الحاضر ويسير على نهجها المستقبل.
لهذا الفخر العظيم كل الحق في أن يُساق، فالتاريخ العُماني البحري لم يكن مجرد قوة عسكرية أو هيمنة تجارية، بل كان رسالة حضارية ونموذجاً أخلاقياً استثنائياً في تاريخ الأمم. حين سادت الإمبراطورية العُمانية البحار، لم تأتِ بدمار أو استعلاء، بل حملت معها قيم السلام، والأناة، والتفاهم الحكيم.
لقد امتدت هذه الأمجاد من سواحل الخليج العربي إلى أعماق المحيط الهندي وشرق إفريقيا، فكان التواجد العُماني مرادفاً للأمان ونشر الوعي، وبناء جسور التواصل الثقافي والإنساني التي ظلت شواهدها حية ونبضها باقياً حتى يومنا هذا، مجسدةً الحكمة العُمانية الأصيلة في أسمى صورها.
لقد وهب الكون الفسيح عُمان سواحل ممتدة تشرف على ممرات دولية بالغة الأهمية كـ مضيق هرمز، وتطل على بحار مفتوحة تلتقي كلها في مصبّ المحيط العميق. هذا الامتداد لم يكن يوماً منطلقاً للعدوان، بل كان مدرسة أتقن فيها العُمانيون علوم البحار، وبرعوا في صناعة السفن التقليدية حتى غدت موانئ مثل مسقط، وصحار، وصور حواضر عالمية تلتقي فيها أمم الأرض للتجارة والتعارف.
إنّ التفات البحار حول هذه الأرض أوجد فِطنة سياسية وثقافية متوارثة، جعلت من عُمان شريكاً موثوقاً وصوتاً للحكمة والسلام؛ حيث سارت السفن العُمانية تحمل الموعظة الحسنة، وتدير المصالح المشتركة بروح النزاهة والانفتاح. هذا الإرث العريق ليس مجرد صفحات مطوية في سجلات التاريخ، بل هو الأساس الراسخ الذي تُبنى عليه العلاقات الدولية لعُمان اليوم كمنارة للأمان والحياد الإيجابي.
هذا التاريخ المُمتد بلغة الضاد الرصينة، يفيض بعبق العزة والكبرياء والأنفة، كاشفاً عن معدن الرجال الذي صقلته أمواج البحار العاتية وسواحل عُمان العريقة. إن الإشارة التاريخية الجليلة إلى المَلِك الذي ذكرته الآيات الإعجازية في القرآن الكريم — الذي كان يأخذ كل سفينة صالحة غصباً لحمايتها وتأمينها من أيدي الغاصبين والظلمة — تلخص فلسفة القوة الممزوجة بالصلاح والحكمة؛ قوة لم تبتغِ يوماً البغي والعدوان، بل كانت درعاً متيناً لحماية خطوط التجارة وحفظ أمن البحار المفتوحة والشرق الإفريقي والمحيط البحري الشرقي العُماني مصبّ البحار الستّة. ذلك المزيج الاستثنائي بين الشموخ والصلابة وبين الالتزام بمداد السلام والازدهار لجميع الأمم، هو الإرث الفكري الشاهد لعُمان ورجالها، والرؤية الجيو-استراتيجية التي ترتسم معالمها عبر الأجيال والقرون بكرامة وإرادة لا تعرف العِوج ولا اللين.
إنّ سَلطنة عُمان بلدة طيبة عظيمة الشأن، قامت فلسفتها السياسية على إيجاد مخارج حكيمة لحلحلة المختلف، وإعادة السلام والاستقرار في الأرض. وفي مقابل من يوقدون نيران الفتنة ويزرعون الشر في كل مكان، تقف عُمان على مرّ التاريخ شامخة، لا تنشد إلا الخير والوئام للبشرية جمعاء.
وعلى مرّ التاريخ، لطالما قدمت عُمان النموذج الأسمى في تمتين أواصر القربى، والتواصل مع الأشقاء، ونبذ الخلافات، واجتناب كل ما من شأنه زعزعة السلم والأمن؛ ولكننا نختلف مع مَن يُريد أن يُحطّم الروابط التاريخية، مبهوراً بوشاية من عدو، أو مصدقاً بدسيسة من خؤون. ولقد أوصل أولئك المتصيدون منطقتنا إلى حال لا يسرّ صديقاً ولا يغيظ عدواً، فصارت الإخوة تتقاتل استسلاماً لأوهام زرعها الخبثاء بينهم، وتحولت البوصلة الكبرى نحو “البحر” و”مضائق العبور” الاستراتيجية لتأمين المصالح بعيداً عن المبادئ.
وفي غمرة هذا الصراع، نواصل مدّ أيدينا للجميع ضماناً لاستمرارية الحياة والنمو، بكل ما أوتينا من قوة وإمكانيات؛ فلم نكلّ ولم نملّ، بل سعَيْنا إلى الوقوف معهم رغم إدراكنا بأنّ ذلك سيكلفنا الكثير. وها نحن اليوم ندفع ثمن وقفتنا العادلة الشامخة، مُستلهمين نهجنا من نداء الحكمة الشاهد، كما قال سماحة الشيخ أحمد الخليلي مفتي عام السلطنة يوماً: “على الأمة الترفع عن أسباب النزاع والشقاق.”
وفي قلب هذا المشهد، يقف ذلك الكيان البغيض الذي يسخر طاقته وقدراته للإضرار بنا وبكل شعوب الأرض، منطلقاً من معتقده الفكري الذي لا يتقبّل التعايش بسلام وأمان إلا من خلال دماء الأبرياء ومعاناتهم، كما فعل ويفعل في فلسطين. لكنّ ما يحيكه هذا الكيان في الظلام ينقلب عليه في ضوء النهار، فالأزمة الوجودية اليوم تضرب مفاصله الداخلية؛ وتلك التهديدات التي وجهها إلى عُمان ورموزها، المتمثلة في سماحة الشيخ أحمد الخليلي وجلالة السلطان هيثم بن طارق — حفظهما الله — ليست إلا انتهاكاً لحرمة القانون الدولي الذي يحمي الدول والشخصيات ورموزها، بل هي جرائم حتمية؛ فلا مأمن من مجرم سفاح، ولا أمان من لقيط!
إنّ التهديدات الجوفاء المبنية على دسائس وأكاذيب لا وجود لها إلا في مخيلة نتنياهو وأعوانه، والتي يُطلقها الكيان اللقيط تجاه سلطنة عُمان ورموزها السياسية والدينية، مُمثلة في جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم وسماحة المفتي الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، لا تُعبّر إلّا عن حالة من التخبّط والذُعر السياسي والعسكري؛ وهي في حقيقتها “كرفسة محتضر” يُدرك تماماً أنّ مشروعه الاستعماري يتآكل من الداخل، ويسير حتماً نحو الزوال.
خُلاصة القول: إنّ التوصيف المباشر قد ربط بين ما يحدث من عُدوان وانتهاكات صارخة في فلسطين، وبين محاولات التهديد الموجهة لسلطنة عُمان ورموزها السياسية والدينية — المتمثلة في جلالة السلطان المعظم وسماحة الشيخ المفتي حفظهما الله — ليضع الإصبع على حقيقة الصراع الأخلاقي والقانوني في الميدان الدولي. ولن تُثني هذه الترّهات والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي سلطنة عُمان عن مواقفها التاريخية الثابتة ونُصْرتها لقضايا الحق والعدالة؛ فالعزم العُماني يزداد صلابة في مُواجهة مكائد الأشرار ومكرهم، ولُحمتنا ثابتة وستبقى دائماً مُوجَّهةً نحو إحقاق الحق والعدالة التي لا عِوج فيها.