أخبار
“شيكو”.. من مفارقة الخمسة جنيهات إلى دلالة المرور

◄ قراءة نقدية في قصة «شيكو» من مجموعة «درب سعادة» للقاص المصري محمد أبو زيد التيجاني
شيرين النوساني
في مجموعته القصصية «درب سعادة»، يقدم محمد أبو زيد التجاني نصًا قصصيًا قصيرًا يحمل عنوان «شيكو». وسرعان ما يكشف النص عن مفارقة دالة: العنوان يحمل اسم الكلب، بينما يظل أبطال القصة من البشر بلا أسماء. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا يتجاوز الحكاية نفسها: ماذا يحدث للإنسان حين تفقد الحياة قيمتها تحت وطأة الفقر والعنف، حتى يصبح للكلب اسم، بينما يُختزل الإنسان إلى مجرد وصف؟
تبدأ القصة بتمهيد يبدو عاديًا: رجل تجاوز الثلاثين، اعتاد السير في طرق بعينها خوفًا من «كلاب الشارع» (ص 19)، وهي عادة لا تليق بمن في عمره، لكنه لم يستطع التخلص منها. وهذا التمهيد، رغم بساطته الظاهرة، يمهد لثنائية المرور والمشاهدة التي تتجلى معالمها تدريجيًا في النص. فالراوي يتحرك في الشارع، يمر بالمكان، يرى ما يرى، ثم يواصل طريقه. والشارع هنا ليس مجرد فضاء مكاني في البناء السردي فحسب، بل يتحول إلى فضاء يتقاطع فيه الخوف والمشاهدة مع المأساة والعبور.
لكن الخوف من الكلاب ليس مجرد خوف جسدي. إنه خوف من الفوضى، ومن الانفلات، ومن الشارع نفسه بوصفه مكانًا لا يخضع للسيطرة. فالراوي يخاف من الكلاب لأنها يمكن أن تمثل الجوع والغريزة والعنف. وعندما يجد خمسة جنيهات، يفرح فرحًا طفوليًا، لكن فرحته لا تكتمل؛ إذ يستيقظ كلب وينبح، فتلتف الكلاب حوله. وينجو الراوي بفضل طفل صغير ناداه باسم «شيكو» (ص 19). والطفل هنا لا ينقذ الراوي فقط، بل يكشف عن علاقة خاصة بينه وبين الكلب، علاقة تقوم على النداء والاستجابة.
وعندما نظن أن المشهد قد انتهى، تأتي الصدمة: الطفل مات. فقد ضربه زوج أمه حتى الموت لأنه لم يُحضر له السجائر بالخمسة جنيهات (ص 21). ثم تأتي الضربة الأخيرة: «وفي الصباح مررت عليه لكن مات شيكو» (ص 21).
الكلب الذي أنقذ الراوي بفضل الطفل، مات بعد موت الطفل. وترتيب الموتين يجعل العلاقة بينهما تتجاوز مجرد علاقة الملكية. فالطفل هو من كان يناديه، وهو من كان يمنحه اسمه وحضوره، وحين غاب الطفل غاب النداء الذي كان يربط شيكو بالعالم.
النص لا يقدم سببًا صريحًا لموت شيكو، ولذلك يظل موته مفتوحًا لتأويلات متعددة. ويمكن أن يُفهم بوصفه أثرًا للفقد، أو امتدادًا لموت الطفل؛ فالكلب الذي استجاب لنداء الطفل لم يعد له من يناديه. ولا يلزم النص القارئ بسبب محدد، لأن قوة المشهد تكمن جزئيًا في هذا الفراغ: موت يعقب موت، وعلاقة تنتهي بفقد أحد طرفيها. ومن هنا يصبح موت شيكو أكثر من مجرد موت حيوان؛ إنه علامة على هشاشة العلاقة الوحيدة التي كانت قائمة في القصة على الاستجابة والاعتراف.
وما يجعل القصة مؤثرة إلى هذا الحد هو بناؤها السردي الذي يعتمد على تأجيل المعلومة. فالكاتب لا يكشف كل شيء دفعة واحدة، بل يوزع الحقيقة على مراحل، حتى تأتي الضربة الأخيرة بصورة حاسمة. أما وجهة النظر، فهي رواية تأتي من منظور راوٍ مشارك، حيث يروي الراوي أحداثًا شارك في بعضها بنفسه. وهذا الاختيار يمنح السرد قدرًا من الحميمية، لكنه في نفس الوقت يحد من معرفتنا بالأحداث التي لم يشهدها الراوي مباشرة، مثل مشهد موت الطفل بعد ضربه من زوج أمه. وهنا يلجأ الكاتب إلى السرد غير المباشر، إذ ينقل الراوي ما علمه لاحقًا، مما يخلق مسافة معرفية بين مصدر المعلومة ومتلقيها.
لكن هذه المسافة تتجاوز كونها مجرد تقنية سردية، بل يمكن أن تُقرأ أيضًا باعتبارها مسافة أخلاقية. فالراوي لا يرى المأساة، بل يسمع عنها. وهذا يجعله شاهدًا منقوصًا، لا شاهدًا كاملًا. وهو لا يسعى لرؤية الموقف، ولا يتدخل، ولا يحاول حتى الفهم؛ بل يمر فقط.
والزمن في القصة غير محدد بدقة، فهو الزمن اليومي: المساء، ثم الصباح. وهذا الزمن يجعل الحكاية قابلة للحدوث في أي وقت، ويمنحها قدرًا من التعميم. أما مكانها فهو الشارع، فضاء مفتوح لكنه خطير، يتحول إلى مسرح يتقاطع فيه الخوف والمشاهدة مع المأساة والعبور.
لكن الزمن هنا ليس محايدًا. فالمساء هو زمن الخوف، والصباح هو زمن الموت. الراوي يجد الخمسة الجنيهات في المساء، ويمر على الموت في الصباح. وهذا التناوب بين المساء والصباح يعكس مسار الحكاية من لحظة الفرح بإيجاد الجنيهات إلى الفاجعة. وفي هذا السياق، لا يبدو الصباح بداية جديدة بقدر ما يبدو كشفًا لما حدث في الليل.
والشخصيات في القصة قليلة، لكنها محملة بالمعاني والدلالات. فالراوي شخص عادي، خائف، وينجذب إلى المال. وهو راوٍ يشهد جزءًا من المأساة، ثم تصله بقية الفاجعة على نحو غير مباشر، لكنه يظل في الحالتين خارج فعل التغيير. ويمكن أن تُقرأ هذه السلبية بوصفها نقدًا اجتماعيًا متعمدًا، بل يمكن أن تكون موضوع القصة نفسه، لا عيبًا في بنائها. لكن هل سلبية الراوي «نقد اجتماعي مقصود» فعلًا؟ أم أن الكاتب لم يجد وسيلة لتحريكه؟ الفرق بين الاحتمالين كبير. إذا كانت السلبية متعمدة، فإن النص يتهم الراوي، ويدينه. وإذا لم تكن مقصودة، فإن النص يتواطأ مع الراوي، ويبرر سلبيته.
والنص لا يقدم لنا علامة صريحة أو دليلًا واضحًا على أن الراوي يشعر بالذنب، أو بالعجز، أو بالرغبة في التغيير. فهو لا يسأل نفسه: «لماذا لم أفعل شيئًا؟» بل يقول فقط: «مررت». ولهذا يظل موقفه ملتبسًا: هل هو موقف شاهد عاجز غير قادر على فعل شيء، أم موقف إنسان اختار بكامل إرادته ألا يتدخل؟ وفي كلتا الحالتين، تظل دلالة المرور هي الأكثر إثارة للقلق في القصة؛ فالراوي يعرف في النهاية، لكنه لا يتوقف ولا يفعل شيئًا.
أما الطفل فهو شخصية بريئة تُسحق تحت وطأة الفقر وقسوة الحياة. إنه البطل الخفي الذي أنقذ الراوي، لكنه لم يستطع إنقاذ نفسه. وموته بسبب خمسة جنيهات يمثل ذروة المفارقة؛ فالمال الذي جعل الراوي سعيدًا هو نفسه الذي يرتبط بموت الطفل. إنها مفارقة مركزية في النص: شيء واحد صغير من الناحية المادية، لكنه يحمل قيمتين متناقضتين؛ سعادة الراوي ومأساة الطفل.
ومع ذلك لا يمكن اعتبار الطفل «ضحية» بالمعنى التقليدي. إنه فاعل أيضًا، فهو الذي نادى الكلب، وأنقذ الراوي. وهو الذي لم يشتري السجائر، ومات بسببها. وهو الذي منح «شيكو» اسمه. الطفل هنا ليس موضوعًا للمأساة فقط، بل طرف فاعل فيها، وإن كان فاعلًا مقهورًا.
وبالنسبة لـ (شيكو) الكلب، فكونه رمزًا للولاء هو مجرد أحد التفسيرات الممكنة له كشخصية ثانوية. فأولًا هو كلب له اسم بينما الطفل لا يملك اسمًا، فبهذا الشكل يكتسب وظيفة دلالية بسبب طبيعته المتناقضة. فشيكو قد يكون رمزًا للبراءة أو الصمت أو التفاعل الوحيد في النص الذي يعتمد على مبدأ النداء والاستجابة. وأهم شيء في وجوده في القصة هو العلاقة التي يطورها مع الطفل. فالأطفال ينادونه وشيكو يستجيب، والأطفال يطلقون عليه اسمًا وشيكو يوفر لهم رفيقًا. فبهذا الشكل يجب أن نفسر موت شيكو بعد موت الطفل كنهاية لهذه العلاقة الخاصة.
والشخصيات الثانوية التي نادرًا ما تظهر في القصة هي شخصيات بارزة كجزء من نسيج الشبكة الدلالية للقصة. فزوج أم الطفل قد يمكن قراءته بوصفه سلطة مفقودة تجسد العنف الذي قد يتولد من الفقر واليأس. إنه ليس بالضرورة شريرًا من وجهة نظر تطور شخصيته، ففي نفس الوقت قد يكون نتاج موقف اجتماعي قاسٍ، يستخدم عدوانيته تجاه الطفل ويفرغ فيه غضبه. وهذا لا يبرر فعلته، لكنه يمنحها بعدًا اجتماعيًا أوسع. فبهذا الشكل يكتسب العنف في القصة سياقًا أوسع ويصبح فعلًا يتجاوز الأفعال الفردية للناس.
لكن زوج الأم أيضًا غائب عن المشهد في القصة. فلا نراه، ولا نسمع صوته، ولا نعرف اسمه. إنه حضور غائب، يشبه سلطة لا تُرى لكنها تُمارس. وهذا الغياب يجعل العنف أكثر تجريدًا، بحيث لا يعود مرتبطًا بشخص واحد فقط، بل يبدو جزءًا من بنية اجتماعية أوسع.
أما أم الطفل، فتمثل صوت العجز وهي في نفس الوقت الشاهدة على المأساة. هي لا تفعل شيئًا سوى البكاء واللطم والصياح، لكنها تردد «حسبي الله ونعم الوكيل» (ص 21)، وكأنها تسلم أمرها لمن لا يظلم عنده أحد. غير أن هذه العبارة ليست مجرد استسلام، بل يمكن قراءتها بوصفها احتجاجًا أيضًا، لأنها الصوت الوحيد الذي يرفض أن تمر المأساة بلا أثر دون أن يلحظها أحد. فهي، وإن لم تغير شيئًا، ترفض الصمت، وتحوّل عجزها إلى شهادة.
ويعتمد الكاتب على العامية المصرية في الحوار، مثل قول «حسبي الله ونعم الوكيل» (ص 21)، مما يمنح القصة قدرًا من الواقعية ويخلق فيها جوًا حقيقيًا حميمًا. أما السرد، فهو بسيط ومباشر، قليل الزخرفة. والجمل قصيرة، والتفاصيل مختزلة، وهو ما يزيد من وقع الصدمة؛ إذ لا يتيح السرد للقارئ أي فرصة مسبقة للاستعداد، بل يدفعه من حدث لآخر حتى يبلغ النهاية.
لكن استخدام العامية هنا ليس فقط من أجل تحقيق الواقعية، بل هي جزء من صوت المأساة. فهي لغة الشارع، ولغة الشخصيات التي تتحرك خارج اللغة الرسمية للسلطة. ولذلك تبدو ملائمة لعالم القصة ومناخها الاجتماعي. وعلى الرغم من قوة هذا البناء اللغوي، لم يخلُ النص من بعض الهنات الإملائية التي كان يمكن تفاديها من خلال مراجعة أخيرة، وهي، وإن لم تنل من بنيته، لكنها قد تترك أثرًا في تجربة القراءة.
كما يوظف الكاتب المفارقة بنجاح وفاعلية في النص: فالراوي يشعر بالسعادة بالخمس جنيهات، ثم ترتبط هذه الجنيهات بموت الطفل؛ والطفل ينقذ الراوي من الكلاب، لكنه لا يستطيع إنقاذ نفسه من موت محقق بيد زوج أمه؛ وشيكو يموت بعد موت الطفل. لكن المفارقة الكبرى ليست في الأحداث وحدها، بل في موقع الراوي منها. فالقصة تبدأ بحركة الراوي، وتنتهي بحركته. الراوي يمر، ثم يمر. والفرق بين المرورين ليس في الفعل، بل في الوعي: في البداية، الراوي لا يعرف شيئًا؛ وفي النهاية، يعرف أكثر، لكنه لا يغير سلوكه.
وإذا انتقلنا إلى المستوى الصوتي، نجد أن الكاتب يوظف أصوات الكلاب، كما في «ينبح» (ص 19)، إلى جانب صوت أم الطفل، كما يظهر في مشهد «لاطمة خديها» (ص 21)، و«حسبي الله ونعم الوكيل» (ص 21). وتخلق هذه العناصر الصوتية إيقاعًا مضطربًا يتناسب مع فوضى المشهد. كما أن الانتقال من نباح الكلاب في البداية إلى لطمات الأم في النهاية يمنح القصة مسارًا صوتيًا يتدرج من الخوف إلى الفاجعة، وهو ما يزيد من تصاعدها الدرامي.
لكن الصوت الأهم في القصة هو صوت الصمت. فالراوي لا يتكلم عن موقفه، والطفل لا يُمنح مساحة صوتية توازي مأساة موته، وشيكو لا يتكلم، بينما لا تظهر الأم إلا في لحظة الانفجار. ومن ثم يصبح الصمت خلفية دلالية للنص، فيما تبدو الأصوات الأخرى، نباح الكلاب ولطم الأم والعبارات الدينية، كأنها اختراقات مؤقتة له. ويظل السؤال: هل صمت الراوي هو تجسيد لضعفه وعجزه أم دليل تواطؤ؟ النص لا يحسم ذلك، وربما تكمن قوته في إبقاء السؤال مفتوحًا.
ولا يمكن قراءة «شيكو» بمنأى عن سياقها الثقافي والاجتماعي. فسياق السجائر «الفرط» يحيل إلى عالم من الفقر، حيث تُشترى السجائر بالواحدة لا بالعلبة. كما تكتسب قيمة الخمسة جنيهات دلالتها من السياق الاقتصادي الذي تتحرك فيه الشخصيات؛ فالمبلغ، على ضآلته، يتحول إلى عنصر حاسم في مصير الطفل.
لكن الخمسة جنيهات ليست مجرد مبلغ. إنها مركز المفارقة في القصة: الراوي يفرح بها، بينما ترتبط عند الطفل بالموت. وبذلك تتحول القيمة الاقتصادية الصغيرة إلى قيمة أخلاقية كبرى. فالشيء الذي يبدو تافهًا في نظر أحد الشخصيات يصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى شخصية أخرى. ومن هنا يتجاوز النص الحديث عن الفقر إلى مساءلة عالم يمكن أن تنخفض فيه قيمة الإنسان إلى هذا الحد.
وتتعدد مستويات الصراع في القصة: صراع الإنسان مع خوفه، ممثلًا في خوف الراوي من الكلاب؛ وصراع الطفل مع العنف والفقر؛ ثم حضور الموت بوصفه مصيرًا يأتي إلى الطفل والكلب دون ذنب. ويمكن النظر إلى اكتشاف موت الطفل ثم موت شيكو بوصفهما ذروة الصراع وخاتمته المأساوية، لا حلًا له بالمعنى التقليدي.
لكن الصراع الأعمق يظل متعلقًا بموقع الراوي من كل ما يحدث. فهو يخاف من الكلاب، وينجو بفضل الطفل، ثم يعرف بموت الطفل، ومع ذلك يظل عابرًا.
وقراءة «شيكو» لا تكتمل دون النظر إلى نوعها الأدبي. فهي تنتمي إلى القصة القصيرة جدًا، وهذا النوع ليس مجرد قصة قصيرة مختصرة، بل هو جنس أدبي قائم بذاته، له خصائصه، ومن أبرزها: التكثيف، والصدمة، والنهاية المفتوحة، والاعتماد على القارئ في ملء الفراغات.
والكاتب يوظف هذه الخصائص بشكل واعٍ:
• الاختزال: لا كلمة زائدة، ولا وصف طويل. الجمل قصيرة، والتفاصيل مختزلة. الراوي لا يصف الشارع، ولا يصف الكلاب، ولا يصف الطفل، بل يذكر ما يسهم في تطور حركة الحكاية وعامل الصدمة فيها.
• الصدمة: تظهر مرتين: الأولى عندما يموت الطفل، ثم الثانية عندما يموت الكلب. والصدمة الثانية أقوى، حيث تأتي في جملة واحدة قصيرة: «لكن مات شيكو».
• النهاية المفتوحة: النص لا يقدم تفسيرًا لسبب موت شيكو، ولا يقدم تعزية أو توضيحًا، بل يترك القارئ مع المأساة، ويفتح أمامه احتمالات التأويل.
• الاعتماد على القارئ: قد لا تعني الفجوات في النص بالضرورة أن هناك أخطاء فيه أو نقائص، بل يمكن أن تكون وسيلة لدعوة القارئ لملء هذه الفجوات واستكمال المعنى. لماذا مات شيكو؟ لماذا لم يتوقف الراوي؟ ما طبيعة العلاقة بين الطفل والكلب؟ وكلها أسئلة يتركها النص للقارئ.
وهنا يظهر الفرق بين القصة القصيرة العادية والقصة القصيرة جدًا. فالأخيرة تعتمد بدرجة أكبر على الإيحاء والتكثيف وترك مساحات للتأويل، ولذلك حين نقول إن النص فيه فراغات، فهذا لا يعني بالضرورة وجود نقص، بل قد يكون جزءًا من آليته الفنية. وحين نقول إن النهاية مفتوحة، فهذا ليس تهربًا من التفسير، بل اختيار فني يتيح للأثر أن يستمر بعد نهاية الحكاية.
ومع الإعجاب ببنية القصة وتقنياتها، لا تغيب عنها بعض مواطن الضعف. فهناك غموض في علاقة الطفل بالكلب: كيف نشأت هذه العلاقة؟ ولماذا كان الكلب يستجيب للطفل دون غيره؟ وهذا فراغ سردي يترك القارئ أمام أسئلة مفتوحة. غير أن هذا الغموض قد يكون فراغًا هادئًا، يمنح المعنى فسحةً لينمو على مهل، خصوصًا إذا نظرنا إلى العلاقة بينهما بوصفها العلاقة الوحيدة في القصة التي تقوم على الاستجابة والرد، ليس فقط على المرور.
فالطفل ينادي، والكلب يستجيب. والطفل يمنحه اسمًا، والكلب يمنحه صحبة. هذه العلاقة ليست مجرد علاقة ملكية بين إنسان وحيوان، بل يمكن قراءتها بوصفها علاقة اعتراف: الطفل يعترف بوجود شيكو، ويمنحه اسمًا، وشيكو يستجيب لهذا الاعتراف. ولهذا، فإن موت شيكو بعد موت الطفل يمكن أن يُقرأ بوصفه موتًا للعلاقة نفسها؛ العلاقة الوحيدة التي كان فيها النداء يجد استجابة.
وهكذا يمكن القول إن قصة «شيكو» عمل ناجح فنيًا، لا بسبب قدرتها على إحداث الصدمة فحسب، وإنما بسبب الطريقة التي تجعل بها هذه الصدمة مرتبطة بحركة الراوي وموقعه من الحدث. فالقوة الحقيقية للنص لا تكمن في فاجعة موت الطفل أو الكلب وحده، بل في فعل المرور نفسه.
ومن هنا يصبح «المرور» أكثر من مجرد حركة في المكان؛ بل أيضًا موقفًا، واختيارًا، وربما تواطؤًا. والقصة لا تحكي عن مأساة الطفل وحده، بل يضع السرد القارئ أمام سؤال الراوي أيضًا: ماذا يفعل الإنسان وكيف يمكن أن يتصرف حين يعرف؟ وهل تكفي المعرفة إذا لم ينتج عنها فعل؟
وقد يكون النسيان، في هذا السياق، استراتيجية للبقاء؛ فالراوي يواصل طريقه لأن استمرار الحياة قد يتطلب أحيانًا تجاوز ما لا يستطيع الإنسان احتماله. لكن هذا النسيان نفسه قد يُقرأ بوصفه خيانة للضحايا. وهنا لا تقدم القصة إجابة نهائية، بل تترك القارئ في حالة من الشك والتوتر بين الحاجة إلى الاستمرار في العيش وضرورة التوقف.
وهنا تصبح «شيكو» قصة عن مأساة تحدث، وشاهد يمر، وطريق يستمر.
غير أن السؤال الذي يظل ساكنًا في الظل ليس: لماذا مات الطفل؟ ولا: لماذا مات شيكو؟ بل: أين نحن من هذا كله؟
نحن الذين نقرأ القصة، ونشعر بالصدمة، ثم نغلق الكتاب ونضعه جانبًا ونواصل طريقنا.