أخبار

زوبعة المشاعر.. لماذا نختلف؟ | جريدة الرؤية العمانية

 

 

 أسماء عوض باقوير

الحياة ليست إلا مزيجًا من المشاعر المتداخلة؛ مشاعر تتشكل فينا منذ الطفولة، وتتراكم مع التجارب والمواقف، وتسهم في تشكيل ما نحن عليه اليوم.

ولذلك، قد نمر أحيانًا بموقف بسيط في ظاهره، لكنه يثير في داخلنا موجة عاطفية كبيرة، فنجد أنفسنا غاضبين أو حزينين أو خائفين بدرجة لا نفهم معها سبب هذا الحجم من الإحساس. وكأن في داخلنا شيئًا أقدم من الموقف نفسه قد تحرك فجأة، فأصبحت المشاعر أكبر من الحدث.

هنا نحتاج إلى أن نتوقف أمام أنفسنا، لا لنلومها، وإنما لنفهمها. فما نشعر به اليوم قد لا يكون وليد اللحظة وحدها، بل قد يكون امتدادًا لتجارب سابقة، أو أفكار ترسخت في داخلنا، أو احتياجات لم تجد طريقها إلى التعبير.

وفي المقابل، نجد أشخاصًا آخرين تبدو مشاعرهم خامدة أمام مواقف تحتاج إلى وقفة وتعاطف وإنسانية؛ فلا يتأثرون بما يتأثر به غيرهم، ولا تبدو عليهم استجابة عاطفية واضحة تجاه الآخرين، وربما حتى تجاه أنفسهم. فنصفهم أحيانًا بالبرود، لكن هل البرود العاطفي دائمًا اختيار؟ أم أن وراءه أسبابًا أعمق؟

والأكثر إثارة للتأمل أن فئات مختلفة من البشر قد تعيش في البيئة نفسها، وتتعرض لظروف متقاربة، ثم تخرج لنا شخصيات شديدة الاختلاف: هذا سريع التأثر، وذاك شديد الصلابة، وثالث يكتم مشاعره، ورابع ينفجر بها في كل موقف.

وقد يرى شخصان الموقف نفسه، لكن كل واحد منهما يعيشه من الداخل بطريقة مختلفة تمامًا. أحدهما قد يراه تهديدًا فيشعر بالخوف، والآخر قد يراه موقفًا عابرًا فلا يتأثر به كثيرًا. هنا يظهر دور التنظيم العاطفي؛ أي قدرة الإنسان على فهم مشاعره والتعامل معها وتوجيه استجابته لها، بدل أن تجرّه مشاعره إلى ردود فعل لا يختارها بوعي.

فالمشاعر واحدة من حيث وجودها في الإنسان، لكن طريقة استقبالها وتفسيرها والتعبير عنها تختلف من شخص إلى آخر. ولذلك، ليس كل من غضب ضعيفًا، وليس كل من صمت باردًا، وليس كل من بكى هشًا، كما أن شدة التأثر لا تعني دائمًا عمق الإحساس، ولا قلة التعبير تعني بالضرورة غيابه.

فما الذي يصنع هذا الاختلاف؟

هل هي التجارب التي مررنا بها؟

أم طريقة تفكيرنا وتفسيرنا للأحداث؟

أم اختلافنا في القدرة على فهم مشاعرنا وتنظيمها؟

أم أن للعوامل البيولوجية دورًا في ذلك أيضًا؟

وأين تقف الفطرة الإنسانية وسط كل هذه العوامل؟

ولعلنا نعود هنا إلى نقطة أكثر عمقًا: فالإنسان يُولد بفطرة سليمة، ثم تأتي الحياة بتجاربها وبيئتها ومواقفها، فتسهم في تشكيل شخصيته وطريقة تفكيره واستجاباته ومشاعره.

فالحياة لا تمر بنا دون أن تترك أثرها؛ ما نعيشه، وما نتعلمه، وما نتعرض له من حب أو فقد أو خوف أو أمان أو قسوة أو احتواء، قد يسهم في تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا وإلى الآخرين وإلى الحياة.

وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتعجل في الحكم على الإنسان من ظاهر سلوكه؛ فقد يكون خلف هدوئه تاريخ لا نعرفه، وخلف غضبه ألم لم نفهمه، وخلف صمته مشاعر لم يتعلم كيف يعبّر عنها.

فهم الإنسان أعمق من الحكم عليه، والمشاعر لا تُقرأ دائمًا من ظاهر السلوك.

وربما لا توجد إجابة واحدة تفسر الإنسان؛ لأن الإنسان نفسه تركيبة معقدة من عقل وتجربة وذاكرة ومشاعر وشخصية وعوامل بيولوجية وبيئة اجتماعية.

ولهذا، فإن فهم المشاعر لا يعني أن نستسلم لها، كما أن غياب التعبير عنها لا يعني بالضرورة غيابها. وبين الإفراط في الإحساس والخمود العاطفي مساحة واسعة تحتاج إلى وعي وفهم.

فربما يكون السؤال الأهم ليس: لماذا أشعر بهذا الشكل؟

بل: ماذا تحاول مشاعري أن تخبرني عن نفسي؟

لأننا حين نفهم مشاعرنا، نبدأ بفهم جانب عميق من ذواتنا… وحين نفهم ذواتنا، يصبح فهم الإنسان والحياة أكثر وضوحًا.

 

اترك تعليقاً

إغلاق