أخبار

مَكِّنوا الإعلام من تغطية الزيارات السامية بشكل أشمل وأعم!!

 

علي بن راشد المطاعني

في الوقت الذي يُطلَب فيه من الإعلام تغطية الأحداث الكبرى والمناسبات المهمة، والتفاعل معها بما يوازي قيمتها، نجدُ الإعلاميين أنفسهم غائبين عن بعض أهم الأحداث التي يُفترض أن يكونوا في قلبها، وفي مقدمتها الزيارات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى الدول الشقيقة والصديقة.

يصعُب فَهم هذا الغياب خصوصًا أنه يختلف عن تقاليد عمل مستقرة في دول كثيرة؛ حيث ترافق رؤساء الدول والحكومات والوزراء وفودٌ إعلاميةٌ تضم رؤساء تحرير ومحررين متخصصين ومُصوِّرين وكتاب رأي، وفق طبيعة كل زيارة والملفات المطروحة خلالها.

حاولتُ كثيرًا أن أفهم الأمر فلم أستطع! وهُنا تبرز مفارقة تستحق المراجعة: كيف نُطالِب الإعلام بتغطية رفيعة المستوى وتحليلات عميقة وتقارير تتجاوز الخبر الرسمي لتضع القارئ العُماني والعربي في صورة الجهود التي يبذلها جلالة السلطان المعظم؛ سواء في السياق العُماني أو في السياق الإقليمي والدولي، خاصةً فيما يتعلق بالشأن السياسي ودور عُمان في تقريب وجهات النظر، ثم لا نُتيح للإعلامي أن يكون في موقع الحدث؟ وكيف نُطالِبه بصناعة حضور مؤثر للزيارة، بينما يبقى بعيدًا عن مجرياتها وتفاصيلها؟

الزيارات السامية أحداثٌ سياسية واقتصادية ودبلوماسية كاملة الدلالات تتجاوز أهميتها مراسم الاستقبال واللقاءات الرسمية إلى ما قد تنتجه من اتفاقيات ذات جدوى، واستثمارات تخدم الاقتصاد الوطني ومواقف سياسية وشراكات استراتيجية. وهذه كلها تحتاج إلى من يشرح سياقها للمواطن العُماني، ويقدمها إلى الرأي العام العربي والدولي، ويتابع نتائجها بعد انتهاء مراسم الزيارة.

الخبرُ الرسمي يؤدي وظيفة ضرورية، لكنه يُقدِّم بطبيعته القدر المقرر من المعلومات: من التقى مَن؟ وماذا بحث الطرفان؟ وما الاتفاقيات التي وُقِّعَت؟ أما الصحفي الحاضر في موقع الحدث، يستطيع أن يُضيف السياق والتفاصيل والصورة الإنسانية، ويلتقي نظراءه في الدولة المضيفة، ويتابع الملفات المطروحة، ويكتب التقرير والتحليل والمقال، ويُجري الحوارات ويرصد كيف تُقرأ الزيارة خارج قاعات الاجتماعات.

هذه المساحة الميدانية هي التي تمنح الصحفي القدرة على تقديم صورة متكاملة. وحين يبقى بعيدًا تُصبح حدود ما يمكن أن يقدمه هي حدود المعلومات التي تصله كما تصل إلى غيره. وعندها تغيب التقارير الميدانية والحوارات والقصص الصحفية والتحليلات التي تمنح الزيارة امتدادًا أوسع في ساحات الرأي العام.

وفي دول كثيرة، تُعامَل مرافقة الإعلام للوفود الرسمية باهتمامٍ كبيرٍ بحيث تكون جزءًا طبيعيًا من تنظيم الزيارة، فلا يصل الصحفي بعد انتهاء الحدث ليُعيد صياغة بيانه، وإنما يواكبه ويرى تفاصيله ويفهم مناخاته ويتحدث إلى أطرافه ويضيف خبرة تتراكم حول مسار الأحداث عندما يُقرِّر لاحقًا الكتابة حول التداعيات وربطها ببعضها البعض. وهكذا يتحول الحدث الرسمي إلى معرفة عامة، وتجد الاتفاقيات والمواقف السياسية طريقها إلى الناس بلغة مفهومة ومؤثرة.

والمفارقة أن قوائم الوفود المصاحبة قد تضم موظفين من جهات وأجهزة مختلفة في الدولة، وفق ترتيبات كل زيارة، بينما يغيب عنها رؤساء التحرير والمحررون وكتاب الرأي والإعلاميون المتخصصون. ومن هنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان للإعلام كل هذه الأهمية التي نتحدث عنها، فلماذا لا يكون له مكان داخل هذه الوفود؟!

أتذكرُ أننا اجتمعنا، قبل سنوات، مع مسؤول كبير في الدولة لمناقشة وضع الإعلام وكيفية التعاطي معه، وسألته آنذاك سؤالًا صريحًا: لماذا لا يحظى الإعلاميون في بلادنا بالاهتمام الكافي، حتى إنَّ الوفود الرسمية في زياراتها الخارجية لا تصطحبهم معها كما يحدث في دول كثيرة؟

وضربت له مثالًا بزيارة وزير الخارجية المصري الأسبق عمرو موسى إلى سلطنة عُمان، وكان يُرافقه وقتها وفد إعلامي كبير يزيد على 30 إعلاميًا.. وقلت له: كيف نطلب من إعلامنا أن يعكس توجهات البلاد ومواقفها تجاه القضايا الدولية والإقليمية، في الوقت الذي لا يكون فيه الإعلامي قريبًا من صانع القرار، ولا حاضرًا في الزيارات واللقاءات التي تُناقَش فيها هذه القضايا؟

كان رده- بتعبير لا يزال عالقًا في ذهني- أن المسؤول في الخارجية “يعيش في السماء وليس في الأرض”، في إشارة إلى كثرة تنقله من دولة إلى أخرى. لكن ذلك، في تقديري، سبب إضافي لمرافقة الإعلام له؛ فكلما اتسعت حركة المسؤول الخارجية، ازدادت حاجة الرأي العام إلى إعلام يفهم هذه الحركة ويتابعها ويشرح أهدافها ونتائجها.

وفي واقعة أخرى، خلال زيارة أحد رؤساء باكستان إلى سلطنة عُمان، لم يُتح لممثلي وسائل إعلامنا حضور بعض الفعاليات، حتى وجدنا أنفسنا نحصل على تفاصيل ما جرى من وسائل الإعلام الباكستانية، وكتبتُ حينها مقالًا بعنوان: “ما هكذا تورد الإبل أيتها المراسم السلطانية”، وتفاعل معه المسؤولون حتى وصل إلى وزير ديوان البلاط السلطاني- آنذاك- المرحوم السيد سيف بن حمد البوسعيدي، الذي وجَّه بمناقشة الموضوع ومعرفة أسباب غياب الإعلاميين.

كانت المفارقة واضحة ومؤلمة: إعلام أجنبي يعرف ما يجري في بلادنا وينقله إلى جمهوره، بينما يبحث الإعلام العُماني عن تفاصيل حدث وقع على بُعد مرمى حجر منه.. فلا يجده.

واليوم أصبحت القضية أكثر إلحاحًا بفعل التطور الهائل في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية وسرعة تشكل الرأي العام؛ فالبيان الرسمي ينتقل إلى هواتف الناس في اللحظة نفسها، لكن أثره قد ينتهي بعد دقائق إذا لم تُلحق به قصة تشرح وتُحلِّل وتُجيب عن الأسئلة. وإذا غابت الرواية العُمانية المكتملة، ملأت المساحة روايات ومصادر أخرى قد تفتقر إلى المعرفة الدقيقة بسياق الزيارة ومصالح عُمان ومواقفها.

المطلوب هو اعتماد آلية مهنية ثابتة لمرافقة الإعلاميين للزيارات السامية وزيارات كبار المسؤولين. ويمكن أن يتشكل لكل زيارة وفد إعلامي متكامل وقادر على إحداث الأثر، تُحدَّد عضويته وفق طبيعة كل زيارة وموضوعها ويضم رؤساء تحرير ومحررين متخصصين في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة، إلى جانب المصورين وكتاب المقالات وممثلي المنصات الرقمية. وتكون لكل عضو مهمة واضحة وبرنامج عمل ونقاط وصول معلومة.

المرافقة هنا تكليف مهني تُحدده خطة التغطية؛ فالصحفي المصاحب يستطيع إعداد سلسلة متكاملة من المواد قبل الزيارة وأثناءها وبعدها، بدل الاكتفاء بخبر مشاع للجميع، يعرفه القارئ في لحظة وقوعه ثم ينتهي أثره بانتهاء المناسبة.

كما يُتيح وجود الإعلاميين تفاعلًا مهنيًا مع وسائل إعلام الدولة المُضِيفة، ويفتح أبوابًا للحوارات وتبادُل المعلومات وبناء العلاقات بين المؤسسات الصحفية. وهذا يمنح الزيارة ما تستحقه من اهتمام ويُقدِّم القيادة والشعب في الدولة المُضيفة إلى القارئ العُماني، ويضع العلاقات الثنائية داخل سياقها التاريخي والسياسي والاقتصادي. وهنا يصبح الإعلام إحدى أدوات الدبلوماسية العامة للدولة، وصوتًا قادرًا على إيصال رؤيتها إلى خارج الحدود.

وفوق ذلك كله، تُمثِّل مرافقة الوفود الرسمية مدرسة عملية مفتوحة للإعلاميين؛ فهي تُدرِّبهم على تغطية الأحداث الكبرى، وفهم البروتوكول والعمل الدبلوماسي، وقراءة العلاقات الدولية والاتفاقيات، والتعامل مع الإعلام الأجنبي، وتطوير قدراتهم في كتابة التقرير والتحليل وإجراء الحوار. وهذا استثمار مباشر في بناء إعلام عُماني أكثر خبرة واحترافية.

وقد جاءت إشادة جلالة السلطان المعظم مؤخرًا بالدور الذي تقوم به وسائل الإعلام العُمانية في التعبير عن مواقف سلطنة عُمان تجاه الأحداث والقضايا المختلفة، وفق نهج العقلانية والاتزان وتغليب المصلحة الوطنية، لتؤكِّد المكانة التي ينبغي أن يحتلها الإعلام. وهذه الإشادة السامية تضع مسؤوليةً على الإعلام كي يرتقي بأدائه، وعلى الجهات المُنظِّمة كي تمنحه المساحة والمعلومة والوصول المهني الذي يحتاج إليه.

كتبتُ قبل فترة مقالًا تساءلت فيه: ما الإعلام؟ والإجابة، في أبسط صورها، أنه انعكاس للواقع. ولذلك يصعب أن ننشُد إعلامًا أفضل وأكثر تأثيرًا من دون تطوير واقع التعامل معه، وإتاحة المعلومة من مصادرها الأصلية، ومنح الصحفي الفرصة التي تُمكِّنه من ممارسة عمله. ومن أهم صور هذا التطوير إعادة اعتماد الوفود الإعلامية المصاحبة لزيارات جلالة السلطان وكبار المسؤولين.

ومن واقع تجربة طويلة في العمل الإعلامي، أُوَجِّه هذا النداء إلى الجهات المختصة بتنظيم الزيارات والوفود، وفي مقدمتها ديوان البلاط السلطاني، للنظر في هذه المسألة ومراجعتها؛ فالصيغة الحالية تَحِد من قدرة الإعلام العُماني على أداء مهمته في لحظات تحتاج إلى أعلى درجات الحضور والكفاءة.

الإعلام لا يستطيع صناعة أثر الحدث وهو يقف خارجه، ولا يمكن مُطالبته بالتفاعل ثم حرمانه من أدواته. وحين نُتيح للصحفي أن يرى ويسأل ويُتابع، يُصبح من حقنا بعد ذلك أن نُطلق السؤال المحوري والحاسم: ماذا صنع الإعلام؟

نأمل أن نرى الإعلاميين ضمن الوفود الرسمية، وفي مقدمتها الوفود المُصاحِبة للزيارات السامية، وأن تُراجَع قوائم هذه الوفود بما يمنح التغطية الإعلامية مكانها المستحق؛ فالحدث الكبير يحتاج إلى إعلام يوجد حيث يقع، ويظل حاضرًا بعد انتهائه ليشرح نتائجه ويتابع أثره.

اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد.

اترك تعليقاً

إغلاق