أخبار

الوهيبية لـ”الرؤية”: الدول الخليجية على أعتاب مرحلة جديدة من مسيرة التنمية.. والبيانات وسيلة مهمة لاستشراف التحولات المستقبلية

 

 

 

الدول الخليجية شهدت تحولات تنموية ساهمت في بناء اقتصاد أكثر قوة

المواطن الخليجي هو محور مسيرة التنمية وستظل البيانات من أهم الأدوات لفهم احتياجاته

إجمالي أصول الصناديق السيادية الخليجية وصل إلى 6 تريليونات دولار

“دول المجلس” باتت كتلة اقتصادية ذات ثقل عالمي

استفادة 41 مليون حالة من تطبيق قرارات المواطنة الاقتصادية الخليجية

المؤشرات الخليجية المشتركة ترفع من كفاءة التخطيط

نعمل على توظيف التقنيات الحديثة لرفع جودة البيانات وتسريع إنتاجيتها

التطور السريع في التكنولوجيا وسوق العمل يستدعي تطوير أدوات التخطيط وصناعة القرار

 

الرؤية- مدرين المكتومية

أكدت سعادة انتصار بنت عبدالله الوهيبية، المديرة العامة للمركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أنه في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والجيوسياسية غير المسبوقة التي يشهدها العالم، باتت البيانات والإحصاءات تشكل ركيزةً أساسية في صناعة القرار، وقياس الأداء، واستشراف المستقبل، إذ إنها لم تعد تقتصر على قياس الإنجازات فحسب، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لفهم المتغيرات، وتوجيه السياسات، وتعزيز القدرة على التكيف مع التحديات واغتنام الفرص.

وأشارت -في حوار مع “الرؤية”- إلى أنه على امتداد أكثر من أربعة عقود، شهدت دول المجلس تحولات اقتصادية واجتماعية وتنموية عميقة، انعكست بصورة واضحة على المؤشرات الإحصائية، وأسهمت في بناء اقتصاد خليجي أكثر قوة، ومجتمعات أكثر ازدهارًا، ومستويات أعلى من جودة الحياة.

وإلى نص الحوار:

ماذا تكشف المؤشرات الإحصائية عن مسيرة العمل الخليجي المشترك؟

تشير البيانات إلى أن دول مجلس التعاون استطاعت بناء واحدة من أكبر الكتل الاقتصادية الإقليمية، حيث يبلغ الناتج المحلي الإجمالي نحو 2.4 تريليون دولار أمريكي، فيما تجاوز حجم التجارة الخارجية 1.6 تريليون دولار، وتقدر أصول الصناديق السيادية الخليجية بنحو 6 تريليونات دولار، إضافة إلى إنتاج أكثر من 16 مليون برميل من النفط يوميًا، مع امتلاك نحو 30% من الاحتياطيات النفطية العالمية.

ومن منظور إحصائي، فإن هذه المؤشرات تؤكد أن العمل الخليجي المشترك لم يعد يقتصر على إطار للتعاون، بل أصبح مسارًا تنمويًا يمكن قياس نتائجه بالأرقام، ورصد أثره بصورة موضوعية عبر الزمن.

 

 

ماذا تعني هذه الأرقام على خريطة الاقتصاد العالمي؟

تكشف المؤشرات أن دول مجلس التعاون لم تعد تمثل فقط مجموعة من الاقتصادات الوطنية، بل أصبحت كتلة اقتصادية ذات ثقل عالمي، تمتلك مقومات مالية واستثمارية وإنتاجية تجعلها شريكًا رئيسًا في الاقتصاد الدولي.

ولا يرتبط ذلك بموارد الطاقة فقط، على أهميتها، وإنما أيضًا بالموقع الجغرافي الاستراتيجي، وتطور البنية الأساسية، واتساع الاستثمارات، ونمو قطاعات الخدمات والاقتصاد الرقمي، وارتفاع القدرة على جذب الاستثمارات العالمية.

ومن منظور البيانات، فإن قراءة هذه المؤشرات بصورة متكاملة تؤكد أن الخليج أصبح لاعبًا مؤثرًا في العديد من الملفات الاقتصادية العالمية، سواء في أمن الطاقة، أو التجارة الدولية، أو الاستثمار، أو الخدمات اللوجستية، أو التمويل.

كما أن المؤشرات تعكس قدرة متزايدة على التكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية، مدعومة برؤى وطنية طموحة، واستثمارات كبيرة في التنويع الاقتصادي، والتحول الرقمي، ورأس المال البشري.

ولذلك، فإن قراءة البيانات لا تقودنا فقط إلى فهم مكانة دول المجلس اليوم، وإنما تساعد أيضًا على استشراف الفرص التي يمكن أن تعزز هذه المكانة خلال السنوات القادمة.

هل أصبحت البيانات أداة لقراءة المستقبل، وليست مجرد وسيلة لتوثيق الماضي؟

بلا شك، وهذا يمثل أحد أهم التحولات التي شهدها العمل الإحصائي خلال السنوات الأخيرة. ففي الماضي كان يُنظر إلى البيانات باعتبارها وسيلة لرصد ما حدث، أما اليوم فقد أصبحت أداة أساسية لفهم ما يحدث، واستشراف ما يمكن أن يحدث.

فعندما تتوافر بيانات دقيقة وحديثة، وتُبنى مؤشرات تعكس الاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية بصورة مستمرة، يصبح من الممكن التعرف مبكرًا على الفرص والتحديات، وتوجيه السياسات نحو الأولويات الأكثر تأثيرًا.

ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية للبيانات لم تعد في إنتاجها فقط، وإنما في قدرتها على تحويل الأرقام إلى معرفة، والمعرفة إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج تنموية قابلة للقياس. وهذا هو جوهر العمل الإحصائي الحديث؛ فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يساعد على تفسيره، ويمنح صناع القرار أدوات أكثر دقة للتخطيط للمستقبل.

فعلى سبيل المثال، تمثل السوق الخليجية المشتركة إحدى الركائز الأساسية لمسيرة التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، منذ الإعلان عنها رسميًا في عام 2007م، بوصفها مرحلة متقدمة تلت قيام منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي، ومهدت الطريق نحو الوحدة الاقتصادية الشاملة.

وفي هذا الصدد، فإن مسار مزاولة الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية شهد توسعًا ملحوظًا بنهاية عام 2024، حيث بلغ عدد الشركات المساهمة العامة المسموح بتداول أسهمها من قبل مواطني دول المجلس حوالي 748 شركة، بنسبة نمو قدرها 30.3%، فيما ارتفع إجمالي رؤوس أموال هذه الشركات إلى 549 مليار دولار أمريكي، في حين بلغ عدد المساهمين في هذه الشركات 246.6 ألف مساهم، حيث يتم تطبيق مبدأ عدم التمييز، فضلًا عن تمكين المواطنين الخليجيين من تداول وشراء الأسهم وتأسيس الشركات في أسواق المال الخليجية، الأمر الذي عزز عمق الأسواق المالية ورفع مستوى الترابط بينها.

كما أن الإمكانية المتاحة للمواطنين الخليجيين للاستثمار وتأسيس المشاريع وممارسة الأنشطة التجارية في أي دولة عضو، مستفيدين من اقتصاديات الحجم وبيئة الأعمال الموحدة، عززت جاذبية السوق الخليجية للاستثمارات البينية والأجنبية، حيث بلغ حجم التجارة البينية بين الدول الأعضاء نحو 146 مليار دولار أمريكي، وهناك 30 بنكًا تجاريًا خليجيًا مصرحًا له بالعمل في الدول الأعضاء.

ماذا تخبرنا البيانات عن أثر العمل الخليجي المشترك على حياة المواطن الخليجي؟

عندما نتحدث عن التنمية، فإن المواطن هو نقطة البداية والغاية في الوقت نفسه. ولذلك فإن أهم ما تكشفه البيانات هو انتقال أثر العمل الخليجي المشترك من مستوى السياسات والاتفاقيات إلى واقع يعيشه المواطن في حياته اليومية.

فقد وفرت قرارات مجلس التعاون للمواطن الخليجي فرصًا أوسع في التنقل، والعمل، والتعليم، والاستثمار، والتملك، والاستفادة من الخدمات في مختلف الدول الأعضاء، وهو ما عزز مفهوم المواطنة الاقتصادية الخليجية، وجعلها واحدة من أبرز ثمار العمل الخليجي المشترك.

ومن منظور إحصائي، فإن القيمة الحقيقية لهذه الإنجازات لا تكمن فقط في وجودها، وإنما في إمكانية قياس أثرها بصورة موضوعية، وهو ما تمنحه لنا المؤشرات الرسمية.

وتظهر مؤشرات المركز الإحصائي الخليجي أن 41.4 مليون مواطن من مواطني دول المجلس تنقلوا بين الدول الأعضاء، بنسبة 188.5% مقارنة بعام 2007م، و11.5 ألف مواطن من دول المجلس يعملون في القطاع الحكومي في الدول الأعضاء الأخرى.

وما هي أبرز المؤشرات التي تعكس هذا الأثر بصورة عملية؟

تشير البيانات إلى أن قرارات المواطنة الاقتصادية الخليجية أصبحت تمثل أحد أكثر مجالات التكامل تأثيرًا في حياة المواطنين. فقد سجلت دول مجلس التعاون أكثر من 41 مليون حالة استفادة من تطبيق قرارات المواطنة الاقتصادية، وهو رقم يعكس اتساع نطاق الحقوق والمزايا التي أصبح المواطن الخليجي يستفيد منها في مختلف الدول الأعضاء.

كما توضح المؤشرات استفادة أكثر من 56 ألف طالب وطالبة من فرص الدراسة بين دول المجلس (وتشمل المدارس الحكومية ومؤسسات التعليم العالي)، ويعمل أكثر من 25 ألف مواطن خليجي في دولة عضو غير دولتهم الأصلية، إضافة إلى تسجيل ما يقارب 18 ألف حالة تملك عقاري لمواطني دول المجلس في الدول الأعضاء الأخرى.

يشكل الشباب النسبة الأكبر من سكان دول مجلس التعاون.. كيف تقرؤون هذا الواقع من منظور البيانات؟

تشير المؤشرات السكانية إلى أن دول مجلس التعاون تمتلك ميزة استراتيجية تتمثل في مجتمع شاب، وهو ما يمثل في الوقت ذاته فرصة كبيرة ومسؤولية أكبر. فالاستثمار في الشباب لا يقتصر على التعليم والتدريب، بل يشمل بناء المهارات المستقبلية، وتعزيز الابتكار، وريادة الأعمال، والقدرة على التعامل مع التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة.

وتشير البيانات الصادرة عن المركز إلى أن إجمالي عدد الشباب في دول مجلس التعاون ضمن الفئة العمرية (15-34 سنة) بلغ نحو 23.5 مليون شاب وشابة في عام 2024، يمثلون 38.2% من إجمالي سكان دول المجلس، منهم 14.2 مليون ذكر بنسبة 60.5%، و9.3 مليون أنثى بنسبة 39.5%.

وفي مؤشر يعكس تحسن اندماج الشباب في التعليم وسوق العمل، انخفضت نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا خارج التعليم والعمل والتدريب من 20.1% عام 2010 إلى 15.7% عام 2024، ما يشير إلى نجاح السياسات والبرامج الهادفة إلى تعزيز مشاركة الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وعلى صعيد التوقعات المستقبلية، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد الشباب في دول مجلس التعاون مرشح للارتفاع إلى 28.6 مليون نسمة بحلول عام 2050، بزيادة تقدر بنحو 5.9 مليون نسمة مقارنة بعام 2024، وبمعدل نمو إجمالي يبلغ 26%.

وتعكس هذه المؤشرات المكانة المحورية للشباب في مجتمعات دول مجلس التعاون، والدور المتنامي الذي يضطلعون به في دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال، وبناء مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا للمنطقة الخليجية.

ومن هنا، فإن البيانات تؤدي دورًا مهمًا في مساعدة صناع القرار على فهم احتياجات الأجيال الجديدة، ورصد التغيرات في سوق العمل، وقياس أثر السياسات التعليمية والتنموية، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو المجالات الأكثر تأثيرًا.

في ظل وجود أجهزة إحصائية وطنية متقدمة في جميع دول المجلس، ما القيمة المضافة التي يقدمها المركز الإحصائي الخليجي؟

الأجهزة الإحصائية الوطنية هي المرجع الرسمي لإنتاج البيانات على مستوى كل دولة، وهي تقوم بدور أساسي في بناء المنظومة الإحصائية الوطنية. أما المركز الإحصائي الخليجي، فيعمل على مستوى مختلف؛ فهو يوفر البعد الإقليمي الذي لا تستطيع أي دولة أن تنتجه بمفردها.

وتتمثل القيمة المضافة للمركز في بناء المؤشرات الخليجية المشتركة، وتوحيد المفاهيم والمنهجيات الإحصائية، وإعداد قواعد البيانات الإقليمية، وإصدار التحليلات التي تعكس الصورة الكلية لدول مجلس التعاون، بما يتيح قراءة التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية من منظور خليجي متكامل.

كما يعمل المركز على تعزيز قابلية المقارنة بين البيانات الوطنية، ودعم إنتاج مؤشرات موحدة تساعد متخذي القرار على متابعة التقدم المحرز في مسيرة العمل الخليجي المشترك، وتقييم أثر المبادرات والسياسات المشتركة.

وبذلك، فإن المركز لا يحل محل الأجهزة الإحصائية الوطنية، بل يبني على عملها، ويحول البيانات الوطنية إلى معرفة خليجية مشتركة تدعم التخطيط وصناعة القرار على المستوى الإقليمي.

كيف تسهم المؤشرات الخليجية المشتركة في دعم صانع القرار؟

المؤشرات الخليجية المشتركة لا تقدم أرقامًا إضافية، وإنما توفر رؤية متكاملة تساعد على فهم الاتجاهات، وقياس التغيرات، ومتابعة تنفيذ الاستراتيجيات، ورصد أثر المبادرات الخليجية المشتركة.

كما تسهم هذه المؤشرات في بناء لغة رقمية موحدة بين الدول الأعضاء، وهو ما يعزز من جودة الحوار حول السياسات العامة، ويسهل المقارنات المنهجية، ويرفع من كفاءة التخطيط على المستويين الوطني والإقليمي.

وفي الوقت نفسه، فإنها تدعم حضور دول مجلس التعاون في التقارير والمؤشرات الدولية، من خلال تقديم صورة إقليمية متكاملة تعكس الوزن الحقيقي لدول المجلس.

كيف تنظرون إلى مستقبل العمل الإحصائي في ظل التطور التكنولوجي السريع؟

يشهد العمل الإحصائي تحولًا جذريًا على مستوى العالم، مدفوعًا بالتطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والحوسبة السحابية، والسجلات الإدارية، وتقنيات الاستشعار، وغيرها من المصادر الحديثة للبيانات. وهذا التحول لا يغير أدوات إنتاج الإحصاءات فقط، بل يعيد تعريف دور المؤسسات الإحصائية نفسها. فالمؤسسة الإحصائية الحديثة لم تعد تقتصر على إنتاج الجداول والمؤشرات، وإنما أصبحت مؤسسة معرفية تسهم في تحليل البيانات، واستشراف الاتجاهات، وتطوير مؤشرات جديدة تواكب احتياجات التنمية.

وبالنسبة لدول مجلس التعاون، فإن هذه التطورات تمثل فرصة كبيرة لتعزيز التكامل الإحصائي، والاستفادة من التقنيات الحديثة في رفع جودة البيانات، وتسريع إنتاجها، وتوسيع نطاق استخدامها في دعم السياسات العامة.

كما أنها تفتح المجال أمام تطوير مؤشرات جديدة في مجالات الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، والاستدامة، وجودة الحياة، وهي مجالات ستزداد أهميتها خلال السنوات القادمة.

إلى أي مدى يمكن اعتبار البيانات اليوم أحد الأصول الاستراتيجية للدول؟

أعتقد أن هذا لم يعد محل نقاش على المستوى الدولي. فالبيانات أصبحت موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد الاقتصادية الأخرى؛ لأنها تمثل الأساس الذي تُبنى عليه القرارات، وتوضع في ضوئه الخطط، وتقاس به النتائج.

ولذلك نلاحظ أن الدول الأكثر تقدمًا تستثمر بصورة متزايدة في تطوير أنظمتها الإحصائية، وتعزيز حوكمة البيانات، ورفع جودتها، وربطها بمنظومات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.

والاستثمار في البيانات ليس استثمارًا في قطاع بعينه، وإنما هو استثمار في جودة الإدارة العامة، وكفاءة الاقتصاد، وفعالية الخدمات، وقدرة الدولة على الاستجابة للتغيرات. كما أننا ننظر إلى البيانات باعتبارها أحد الممكنات الرئيسة للتنمية المستدامة، وعنصرًا أساسيًا في بناء اقتصاد أكثر تنافسية، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

ما هي قراءتكم حول مستقبل دول مجلس التعاون خلال العقد القادم؟

تشير المؤشرات إلى أن دول مجلس التعاون تقف اليوم أمام مرحلة جديدة من مسيرة التنمية، تختلف في طبيعتها عن المراحل السابقة. فإذا كان التركيز خلال العقود الماضية قد انصب على بناء المؤسسات، وتطوير البنية الأساسية، وتعزيز التكامل الاقتصادي، فإن المرحلة المقبلة ستقوم بدرجة أكبر على المعرفة، والابتكار، والتقنيات المتقدمة، والاقتصاد الرقمي.

وتكشف الاتجاهات العالمية أن عناصر التنافسية لم تعد تقتصر على حجم الاقتصاد أو الموارد الطبيعية، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، واستثمار رأس المال البشري، والاستفادة من البيانات في تحسين السياسات ورفع كفاءة الأداء.

وما هي أبرز التحديات التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر خلال المرحلة المقبلة؟

كل مرحلة تنموية تحمل معها فرصًا وتحديات في الوقت نفسه، والبيانات تساعدنا على قراءة الجانبين معًا. وتشير الاتجاهات العالمية إلى أن التحولات المتسارعة في التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وسوق العمل، وسلاسل الإمداد، والتغير المناخي، تستدعي تطوير أدوات التخطيط وصناعة القرار بصورة مستمرة.

ومن هنا، فإن أحد أهم التحديات يتمثل في تعزيز القدرة على إنتاج بيانات أكثر سرعة وجودة وتكاملًا، وتطوير مؤشرات تساعد على قياس الظواهر الجديدة، ودعم السياسات القائمة على الأدلة؟

كما أن المحافظة على تنافسية الاقتصادات الخليجية تتطلب استمرار الاستثمار في الإنسان، والابتكار، والاقتصاد الرقمي، والبحث والتطوير، وهي جميعها مجالات تحتاج إلى بيانات دقيقة لقياس التقدم فيها.

كيف ترون مستقبل العمل الإحصائي الخليجي في ظل هذه التحولات؟

أعتقد أن العمل الإحصائي الخليجي مقبل على مرحلة نوعية جديدة، تتجاوز المفهوم التقليدي للإحصاء نحو بناء منظومة متكاملة للبيانات والمعرفة. وسيكون التركيز خلال المرحلة المقبلة على تعزيز التكامل بين البيانات الإحصائية والسجلات الإدارية، والاستفادة من البيانات الضخمة، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتقنيات الحديثة، بما يسهم في إنتاج مؤشرات أكثر سرعة ودقة وشمولًا.

كما سيواصل المركز الإحصائي الخليجي العمل مع الأجهزة الإحصائية الوطنية على تطوير المنهجيات، وتعزيز جودة البيانات، وبناء مؤشرات جديدة تستجيب لأولويات التنمية الخليجية، وتدعم تنفيذ الرؤى والاستراتيجيات الوطنية والخليجية.

ما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المواطن الخليجي؟

رسالتي أن ننظر إلى الأرقام باعتبارها وسيلة لفهم الواقع وتحسينه، لا مجرد نتائج تُنشر في التقارير، فخلف كل مؤشر اقتصادي قصة نجاح، وخلف كل رقم اجتماعي إنسان، وخلف كل سياسة بيانات تساعد على قياس أثرها وتطويرها.

ولقد أثبتت مسيرة العمل الخليجي المشترك أن التنمية الحقيقية تتحقق عندما تتكامل الرؤية مع الإرادة، والسياسات مع التنفيذ، والبيانات مع القرار. وما تحقق خلال العقود الماضية يمثل أساسًا متينًا يمكن البناء عليه لمواصلة مسيرة التنمية والازدهار.

وسيظل الإنسان الخليجي هو محور هذه المسيرة وغايتها، وستظل البيانات إحدى أهم الأدوات التي تساعد على فهم احتياجاته، وتعزيز جودة حياته، وبناء مستقبل أكثر استدامة للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

إغلاق