أخبار

تأطير | جريدة الرؤية العمانية

 

 

ماجد بن علي الهادي

ما أصعب الفهم عندما تكون النفس هي المتكلمة والعقل هو الناقل

يكمن الفعل في قراره النافذ، وتكمن الحكمة والتحكم في إدراك أن هناك مساحة زمنية ونفسية بين الفعل ورد الفعل، يتأنى فيها العقل، وتتهيأ فيها النفس، وتتجاوب من خلالها السلوكيات، وتتفاعل معها الظروف المحيطة. هذا التفاعل الحتمي الذي يحدث بين الأحداث والمؤثرات والاستجابات يحدد المسار الفكري والعاطفي ويؤطره بقرار الحسم المنطقي. وسيكون الحسم نابعًا عن قناعة بلا شك؛ قناعة منبعها التوازي العقلي العاطفي الذي تمنهج في وقت سابق، وانزرع في التأكيد الفطري.

يرتكز المسار الفكري العاطفي إلى أسلوب تكامل العقل والقلب، ويهدف إلى موازنة العواطف بالتحليل المنطقي، مما يعزز مهارات التواصل، واتخاذ القرارات السليمة، وإدارة ضغوط الحياة بنجاح. هذه المنظومة المتتالية والمتكاملة هي القاعدة الرئيسة التي تقوم عليها حكمة التحكم في إدراك المساحة الزمنية والنفسية بين الفعل ورد الفعل. وارتكازها ينبني على تطوير الذكاء العاطفي والاستشعار بالوعي الذاتي المسؤول عن المشاعر وفهمها على الطريقة الصحيحة والحكيمة، التي يتم بها اتخاذ القرارات السليمة والابتعاد عن منغصات العواطف السلبية، مثل الغضب والقلق.

فقيادة القرارات والتحكم في تنظيمها وفق المسار الصحيح يجنب التعاطف غير الصحي مع بعض العلاقات (المجاملة). بل وسيوقظ بعض المشاعر التي ستتقولب تلقائيًا مع البعض الآخر بعد أن تفهمها الفهم الصحيح، وتتفاعل معها بإيجابية مع كل ردود الفعل، وبانسيابية مع كل إحساس وشعور.

يشتغل العقل على تأطير فكره عندما يجد مساحة الإدراك متاحة، وبها من الجوانب المحفزة ما يكفي للشحذ والتنفيذ. ويتنوع اشتغاله في التحكم النفسي والعقلي، بمعنى تسقط الاستفزازات أمام صمود حكمة هدوئه.

مثل هذه الشخصيات الإنسانية تعد من الشخصيات النادرة في التعامل البشري، كما أنها، وفق ندرتها، لا تحب التوسع في دائرة علاقاتها الشخصية، ليس لشيء، وإنما لخاصيتها الذهنية المرتبطة بثقة المفهومية بين الأنا والغير. هذا الرسوخ الواعي لمعنى الوعي والإدراك يجدد ثقة الاستيعاب لكل ما من حول التعايش البيئي (ثقافة، حضارة، عادات… إلخ). هذا الاستيعاب الثقافي الحضاري سيحمل على عاتقه إثبات رزانة المرء، وفرض الاحترام أيًّا كان من يحيط به.

طبيعي أن تكون الأفعال حكيمة وموزونة، وطبيعي ألا توجد أي ثغرة للمتشككين؛ كون أن بعض العقول الفارغة تحكم على معطيات سابقة، مبنية على إشاعات مغرضة.

وكما أسلفت، فإن من يتصف برزانة وحكمة التعامل يندر وجوده، أضف إلى ذلك بأنه سيكون منتقى لقيادة المواقف المحتاجة إلى الرزانة والحكمة. نجد هؤلاء في المجالات السياسية المرتبطة بالدبلوماسية، ونجدهم في مسالك القضاء وما شابهها. فالتمتع بهدوء النفس والعقل ليتكاملا في بوتقة الحكمة ليس بالشيء الهين.

ومن جانب آخر مشابه، لا يستطيع أي إنسان شق صدر إنسان وإمساك قلبه ليفحصه بكل هدوء وتركيز، إلا الجراح المتمرس القادر على ذلك. كيف أصبح على هذا النمط من الهدوء والتركيز؟

إن التفاعل الحتمي مع المؤثرات بإيجابية، بالإضافة إلى فطرة الهبة، يجب أن يكون مقرونًا بالتدريب والممارسة. والممارسة أيضًا يجب عليها أن تكون قد ارتوت كثيرًا من المعارف والمعلومات القابلة للتطوير والتحديث.

وليكون الفعل بقراره النافذ يعانق المردود بأريحية، يجب عليه أن يكون مرنًا، وفي الوقت نفسه غير قابل للكسر أو الاختراق، لا من صاحب الفعل، ولا من المتفاعل معه.

الأصعب، من وجهة نظري، أن يكون الخلل من صاحب الفعل؛ فالنتيجة ستكون تسرعًا، وغضبًا، وقلقًا، وحيرةً، وترددًا، مما يمكن ضعف الشخصية من الاستحواذ على المجريات، وبالتالي السقوط في ضحالة التشكيك بالنفس.

لذلك يحتاج العقل، أيًّا كان دوره ووضعه ومكانته ومجاله واختصاصه، إلى الارتشاف المستمر من رحيق الكتب والمصادر العلمية المختلفة. يحتاج إلى تحصين أفكاره بالمعارف الصحيحة والمعلومات المغذية له؛ ليبقى شامخًا، وصامدًا، وواثقًا، ومستعدًا لكل الأفعال والأحداث والمؤثرات، يتحكم بها قبل أن تستحوذ عليه.

اترك تعليقاً

إغلاق