أخبار

عذرًا لا أستطيع.. عندي دراسة!

 

سعيد المالكي

 

اتصلت جارة بجارتها لتدعوها إلى فنجان قهوة، فجاءها الاعتذار المعتاد: “لا أستطيع، عندي دراسة”.

سألتها بدهشة: ما شاء الله! التحقتِ بالجامعة؟

قالت: بل بالصف الثالث والخامس والسادس.

-ثلاثة صفوف دفعة واحدة؟!

-لديّ ثلاثة أبناء، كل واحد في صف، وأنا مسؤولة عن واجباتهم ومشاريعهم.

-وأين أبناؤك؟

-يستريحون من تعب المدرسة، ثم إن بعض المشاريع والواجبات تفوق مستوى استيعابهم وقدراتهم”.

-وماذا يفعل الأولاد في المدرسة؟

-ربما يدرسون كيفية الوصول إلى القمر.

-ومن يحصل على الدرجات؟

-الأولاد طبعًا

-وأنتِ؟

-أحصلُ على رسالة تذكير يومية بمشروع جديد.

-فقالت الجارة: إذن أنتِ تقضين حكمًا بالتعليم المؤبد مع الأشغال الفنية الشاقة، بينما يتولى أبناؤك الاستيقاظ من الفجر، والحضور إلى المدرسة، وتلقّي أطنان من الدروس، ثم العودة لتسليمك بقية الأشغال!

هذه ليست حكاية عن أم عادت طوعًا إلى الدراسة، بل عن تعليم وجد طريقة لإعادة الأمهات إليها دون تسجيل أو شهادة تخرج! فالطفل يحضر الدروس صباحًا، ويحمل إلى منزله مساءً كومة من الواجبات والمشاريع، فتبدأ الأم مناوبتها: معلمة ونجارة ورسامة وباحثة وخبيرة في الصمغ والفلين، وربما مهندسة مدن إذا طُلب مجسم “مدينة المستقبل!”

والمدهش أن بعض الرسائل المدرسية تخاطب الأمهات مباشرة: “نرجو متابعة تسليم المشروع يوم الأحد”. والأدق ربما: “عزيزتي الأم، يرجى إنهاء مشروعك وكتابة اسم ابنك عليه؛ حتى لا تختلط علينا أسماء المنفذين بالمستفيدين”.

ولا تقتصر المعاناة على الجهد والوقت؛ فقد أصبحت المشاريع المدرسية بندًا إضافيًا في ميزانية الأسرة! فهناك أوراق وألوان وألواح ومواد وأدوات لا تنتهي، تستلزم البحث عنها بين المكتبات والمحلات، وربما قطع مسافات طويلة للحصول على قطعة صغيرة حتى البائع نفسه لا يعرف اسمها!

وما إن تكتمل مشتريات مشروع حتى يصل مشروع آخر بمستلزمات مختلفة، وكأن الأسرة تدير شركة للمقاولات المدرسية، تتجدد مناقصاتها أسبوعيًا، وتتحمل وحدها تكاليف التنفيذ!

وقد يجد الأب نفسه مضطرًا للاختيار بين بعض احتياجات المنزل ومستلزمات مشروع قد يستغرق عرضه خمس دقائق إذا عرض، بينما قد يستغرق البحث عن أدواته وتنفيذه أيامًا، ثم ينتهي مصيره في أحد الأدراج أو حاويات القمامة!

والطريف أن المشروع الذي يُفترض أن يُنمّي مهارات الطفل قد يُنمّي بدلًا منها أرباح محلات القرطاسية، ويستنزف دخل الأسرة، ويمنح الأم خبرة جديدة في إدارة المشتريات!

أما الأسر التي لديها عدة أبناء؛ فالمسألة تتحول إلى ميزانية مشاريع متزامنة، حتى إن الأب قد يحتاج إلى تخصيص بند مالي بعنوان “المناقصات الدراسية”، مع احتياطي للطوارئ إذا قررت المدرسة طلب مجسم إضافي!

وليس المنزل فرعًا مسائيًا للمدرسة فحسب؛ إنه فرع يعمل حتى أيام الإجازة الأسبوعية. الخميس لاستلام التكليفات، والجمعة والسبت للبحث والطباعة والقص واللصق، والأحد لتسليم الإنتاج! وإذا دعت جارة جارتها إلى زيارة، اعتذرت الأخيرة لأن لديها مشروعًا عاجلًا. حتى فنجان القهوة أصبح يحتاج إلى موافقة جدول واجبات ومشاريع المدرسة!

أما الطفل، فيستيقظ قبل الشمس، ويحمل حقيبة تكاد تزن نصف الحافلة، ويمضي ساعات بين الدروس والتقييمات، ثم يعود ليكتشف أن المدرسة سبقته إلى البيت! فأين وقت اللعب والراحة والحياة الأسرية؟ وهل أصبح وقت الفراغ خطأً تربويًا يحتاج إلى واجب علاجي؟

لسنا نعترض على أن يتعب الطفل في سبيل العلم، وإنما نعترض على أن تصبح طفولته كلها تعبًا، ثم نكتشف بعد سنوات أن كثرة ما درسه لا تعني بالضرورة جودة ما تعلمه.

والأغرب أن يُطلب أحيانًا حل واجب في درس لم يُشرح بعد! فإذا كانت الأم ستبحث وتفهم وتشرح، والمدرس الخصوصي سيُراجع، فلماذا لا تتحول المدرسة إلى مركز لتوزيع المهام وجمعها وإصدار الشهادات؟ سيكون ذلك أوفر، بشرط تخصيص مكافأة نهاية خدمة للأمهات!

ذلك ينتج مفارقة خطيرة؛ فقد يبدو الطفل متفوقًا في صفوفه الأولى بفضل المساعدة المنزلية المستمرة، ثم تنخفض درجاته في الصفوف الأعلى حين تتعقد المواد ولا يستطيع والداه مواكبة كل درس.

وعندما تستدعي المدرسة الأم وتسألها: “لماذا تراجع مستوى ابنك؟”، قد تجيب: “كنت أفهم دروسه حتى الصف الخامس؛ أما السادس فيحتاج إلى معلم يشرح لي أولًا”.

ولعل الرد، وفق هذا المنطق: “كان عليكِ التأهل للصف السادس قبل انتقال ابنك”.

ليس هذا تفسيرًا وحيدًا لتراجع الدرجات، لكنه يكشف خللًا محتملًا حين يصبح نجاح الطالب معتمدًا على قدرة أسرته على تعليمه، ووقتها، وإمكاناتها المالية، لا على ما فهمه بنفسه داخل المدرسة.

وقد يقول أحدهم: “لكن بعض الطلبة يتفوقون رغم الضغط!”. نعم، غير أن قدرة البعض على التحمل لا تجعل الإرهاق منهجًا تربويًا، وتخفيف الضغوط لا يسلب المتفوقين قدراتهم، بل قد يزيد إبداعهم.

ولا تقع المسؤولية كلها على المعلمين، فربما هم مثقلون بالمناهج والتعليمات والتقييمات. لكن كثرة الواجبات ليست دليلًا على جودة التعليم، والمشروع الذي تنفذه الأم ويموله الأب لا يصبح إنجازًا للطفل بمجرد كتابة اسمه عليه!

وحين تنتهي الاختبارات، تتنفس الأسر الصعداء كأن عفوًا عامًا قد صدر بعد “عام كامل من الأشغال الدراسية الشاقة”. يغادر الطالب عامه منهكًا، وربما ناسيًا كثيرًا مما حفظه، بينما تتهيأ أمه للعودة إلى الصف التالي، ويبدأ الأب في حساب خسائر الموسم الدراسي والاستعداد لموازنة الموسم القادم!

لسنا نطالب بتعليم بلا جهد، بل بتعليم يمنح الطفل المعرفة والفهم داخل المدرسة، ويترك له وقتًا ليعيش طفولته، ولأمه وقتًا لتعيش حياتها، ولأبيه ما يكفي من راتبه لتلبية احتياجات أسرته!

ويبقى السؤال: إذا كان الطفل يحضر ويتلقى أطنانًا من الدروس، والأم تنفذ المشاريع، والأب يسدد الفواتير، والجميع ينتظر الإفراج بنهاية العام، فمن الذي يتعلم فعلًا، ومن الذي يستحق الشهادة؟ وهل نحن أمام مؤسسة تعليمية، أم مشروع استثماري تموله الأسر، وتديره الأمهات، ويحصل الأبناء على شهادات إنجازه؟!

اترك تعليقاً

إغلاق