أخبار
الذكاء الاصطناعي في الصراع الدولي.. من أداة تقنية إلى قوة استراتيجية

د. علي موسى الكناني
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد ثورة تقنية تعيد تشكيل الاقتصاد والاتصالات والحياة اليومية، بل دخل إلى قلب التنافس الدولي، ليصبح أحد عناصر القوة التي تعيد تعريف التفوق السياسي والاقتصادي والعسكري. ومع اتساع استخدامه في تحليل المعلومات والامن والدفاع وصناعة القرار، باتت الدول تنظر إليه بوصفه موردا استراتيجيا يرتبط بقدرتها على حماية مصالحها وتعزيز موقعها في النظام الدولي.
لكن المنافسة لا تدور حول امتلاك نماذج الذكاء الاصطناعي فقط، بل حول امتلاك البيئة التي تجعلها ممكنة وفعالة، من البيانات والرقائق ومراكز الحوسبة إلى الطاقة والكوادر والبحث العلمي. ولهذا فان الفارق بين الدول لن تحدده التكنولوجيا الجاهزة وحدها، بل قدرتها على بناء منظومة وطنية تنتج المعرفة وتطورها وتحولها إلى قدرات عملية.
وفي المجال العسكري، يغير الذكاء الاصطناعي طبيعة العمليات من خلال تسريع تحليل المعلومات وربط مصادر متعددة ودعم التخطيط واتخاذ القرار، فضلا عن استخدامه في الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية وتحليل صور الأقمار الصناعية والمراقبة. وتكمن أهميته هنا في تقليص الزمن بين اكتشاف التهديد وفهمه والاستجابة له، بما يجعل سرعة معالجة المعلومات عاملا متزايد الأهمية في إدارة الصراعات.
لكن هذه السرعة تفرض تحديا موازيا؛ فالأنظمة الذكية تعتمد على البيانات والخوارزميات، وأي خلل في المدخلات أو تحليل غير دقيق قد يؤدي إلى تقدير خاطئ، خصوصا في الأزمات الدولية التي تكون فيها القرارات شديدة الحساسية. لذلك تبرز أهمية الرقابة البشرية والحوكمة المسؤولة، حتى لا تتحول التكنولوجيا من وسيلة لتعزيز القرار إلى مصدر لمخاطر جديدة.
ولا يتوقف تأثير الذكاء الاصطناعي عند المجال العسكري، بل يمتد إلى الأمن السيبراني والطاقة والأسواق المالية وسلاسل الإمداد والصحة والإدارة والبحث العلمي. وهذا يجعله أداة ذات تأثير مباشر في قدرة الدول على إدارة مواردها ورفع إنتاجيتها والتعامل مع الأزمات، وفي الوقت نفسه يفتح المجال أمام استخدامات مرتبطة بالتجسس والهجمات الرقمية والتأثير في البيئة المعلوماتية.
ومن هنا يرتبط الذكاء الاصطناعي بمعادلة النفوذ الدولي؛ إذ إن امتلاك البيانات والبنية التحتية الرقمية والقدرات البشرية والبحثية يمنح الدول قدرة أكبر على الابتكار والتكيف والمنافسة، كما إن امتلاك التقنيات المتقدمة يمنحها مساحة أوسع للتأثير في سلاسل التكنولوجيا العالمية. وبذلك تنتقل التكنولوجيا من كونها عاملا اقتصاديا إلى عنصر يرتبط بموقع الدولة وقدرتها على الحركة داخل النظام الدولي.
غير أن بناء هذه القوة لا يتحقق بشراء التكنولوجيا وحدها، بل يحتاج إلى استراتيجية وطنية تبدأ بتطوير البنية التحتية للحوسبة والاتصالات والطاقة، وتأمين البيانات، والاستثمار في الجامعات ومراكز البحث، وبناء الكفاءات، ودعم الشركات القادرة على تحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات. كما تحتاج الدول إلى تشريعات توازن بين الابتكار وحماية البيانات وتقليل المخاطر المرتبطة بالاستخدام غير المسؤول.
وفي الوقت نفسه، تفرض الطبيعة العابرة للحدود للذكاء الاصطناعي مساحة واسعة للتعاون الدولي. فسلاسل توريد الرقائق ومراكز البيانات والبرمجيات والأبحاث العلمية مترابطة، ما يجعل من الصعب فصل التطور التكنولوجي عن العلاقات الدولية. ولذلك يصبح التعاون وتبادل الخبرات ووضع قواعد للاستخدام المسؤول جزءا من ادارة المنافسة الدولية، إلى جانب حماية المصالح الوطنية.
وتبرز هنا مسألة التفاوت بين الدول؛ فالدول التي تمتلك بنية رقمية متقدمة ورأس مال بشريا وقدرات بحثية تستطيع توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز اقتصادها وامنها وصناعة قرارها، بينما قد تواجه الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على التكنولوجيا الخارجية تحديات تتعلق بالفجوة التقنية والتبعية في بعض المجالات الحساسة. وهذا التفاوت قد يتحول مستقبلا إلى عامل جديد في توزيع القوة والفرص داخل النظام الدولي.
وتحويل الذكاء الاصطناعي إلى قوة وطنية يحتاج إلى مسار عملي يبدأ بتحديد القطاعات ذات الاولوية، ووضع استراتيجية وطنية واضحة تربط الذكاء الاصطناعي بالاقتصاد والامن والتعليم والادارة وصناعة القرار. ثم يأتي بناء قاعدة البيانات الوطنية وتطوير البنية التحتية للحوسبة والاتصالات والطاقة، مع وضع معايير لحماية البيانات وضمان امنها.
وفي المرحلة التالية، ينبغي الاستثمار في الانسان من خلال تطوير المناهج الجامعية، وانشاء برامج تخصصية، وربط الجامعات ومراكز البحث باحتياجات الدولة والقطاع الخاص. وبالتوازي، تحتاج الدول إلى دعم الشركات الناشئة والمشروعات التقنية، وتحفيز البحث والتطوير، وتوفير بيئة تسمح بتحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات قابلة للتوسع.
اما على المستوى الحكومي، فيمكن البدء بمشروعات تطبيقية في قطاعات محددة مثل الصحة والطاقة والنقل والخدمات الحكومية والزراعة والامن السيبراني، وقياس نتائجها قبل توسيعها. كما ينبغي انشاء اطر مؤسسية للحوكمة والرقابة، تحدد المسؤوليات وتضمن وجود اشراف بشري على التطبيقات الحساسة.
وعلى المستوى الدولي، تحتاج الدول إلى بناء شراكات تقنية وعلمية، وتنويع مصادر التكنولوجيا، وتطوير قدراتها المحلية لتقليل مخاطر التبعية، مع المشاركة في النقاشات الدولية المتعلقة بقواعد الذكاء الاصطناعي وأمن البيانات والاستخدام المسؤول للتقنيات المتقدمة.
وبذلك يمكن تحويل خارطة التنفيذ إلى خمس اولويات مترابطة: استراتيجية وطنية، بنية تحتية وبيانات، كفاءات وبحث علمي، تطبيقات اقتصادية وحكومية، وشراكات دولية متوازنة. والهدف ليس امتلاك التكنولوجيا لمجرد امتلاكها، بل تحويلها إلى قدرة وطنية قابلة للقياس تخدم الاقتصاد والامن وصناعة القرار.
إنَّ الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل التكنولوجيا وحدها، بل يعيد صياغة مفهوم القوة في السياسة الدولية، من خلال تأثيره في الاقتصاد والأمن والدفاع والبيانات وصناعة القرار. وانعكاساته على الدول ستكون متفاوتة بحسب قدرتها على امتلاك المعرفة والبنية التحتية والكوادر والبيانات وتحويلها إلى قدرات وطنية فاعلة؛ فالدول القادرة على تطوير هذه العناصر ستعزز استقلالها الاستراتيجي وتوسع قدرتها على حماية مصالحها والتأثير في محيطها، بينما قد تواجه الدول الاكثر اعتمادا على التكنولوجيا الخارجية فجوة متزايدة في القدرات وتحديات تمس استقلال قرارها وموقعها في النظام الدولي. لذلك فإن التنافس الدولي المقبل لن يكون حول امتلاك الذكاء الاصطناعي فقط، بل حول القدرة على توظيفه ضمن منظومة القوة الوطنية، بما يجعل التكنولوجيا والمعرفة جزءا من معادلة النفوذ الدولي، ويحول الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى أحد العوامل المؤثرة في إعادة توزيع القوة وتحديد مواقع الدول في النظام الدولي.