أخبار
من الدعم إلى الشراكة.. المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قاطرة الاقتصاد الوطني (1- 2)

د. علي بن حمدان البلوشي **
ليست قوة الاقتصاد في عدد الشركات الكبرى التي يملكها، ولا في حجم المشاريع العملاقة التي تُقام فيه وحدها، وإنما في قدرته على ايجاد منظومة اقتصادية واسعة تتوزع فيها فرص الإنتاج والعمل والاستثمار على أكبر شريحة ممكنة من المجتمع. ومن هنا تظهر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ باعتبارها إحدى أهم الأدوات التي تستطيع الدول من خلالها بناء اقتصاد أكثر تنوعا ومرونة واستدامة.
ففي عالم تتغير فيه الأسواق بسرعة، وتتسارع فيه التكنولوجيا، وتتزايد فيه الحاجة إلى فرص عمل جديدة فإن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست مجرد مشروعات محدودة الحجم تعمل في نطاق ضيق، إنما جزء أساسي من منظومة الإنتاج والتشغيل والابتكار. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 90% من الشركات عالميا وتوفر أكثر من نصف فرص العمل، كما تعد عنصرًا محوريا في التنويع الاقتصادي في الدول النامية.
ويُقصد بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بصورة عامة، المنشآت التي تقع ضمن شرائح محددة من حيث عدد العاملين وحجم رأس المال والمبيعات، مع اختلاف معايير التصنيف من دولة إلى أخرى. وتشمل هذه المنظومة المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، إلى جانب المشروعات الناشئة التي تقوم غالبًا على الابتكار والتقنية والنماذج التجارية الجديدة.
وتنبع أهميتها من كونها أقرب إلى احتياجات السوق والمجتمع، وأكثر قدرة في كثير من الحالات على الدخول إلى قطاعات وأسواق متخصصة لا تكون جذابة للشركات الكبرى. كما أنها تتيح المجال أمام الشباب والشابات وأصحاب المهارات والحرف والمبادرات الفردية للتحول من طالبي عمل إلى أصحاب أعمال وموفرين لفرص العمل.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تمثل عنصرًا رئيسيًا في الابتكار والنمو الاقتصادي وخلق الوظائف، وأن المؤسسات الأسرع نموًا يمكن أن يكون لها تأثير كبير في إيجاد الوظائف والإنتاجية والتنافسية.
وهنا تكمُن القيمة الحقيقية لهذه المؤسسات؛ فهي لا تضيف إلى الناتج المحلي فحسب، وإنما تساعد على توزيع النشاط الاقتصادي جغرافيا واجتماعيا، وتوسيع قاعدة المنتجين، وتنشيط الأسواق المحلية، وإيجاد سلاسل توريد مرتبطة بالمشروعات الكبرى.
إلّا أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا تستطيع أن تؤدي دورها الاقتصادي الكامل من دون بيئة أعمال تساعدها على التأسيس والاستمرار والنمو، ولذلك اتجهت الدول إلى تقديم أشكال متعددة من الدعم، لا ينبغي اختزالها في التمويل وحده.
ويأتي التمويل في مقدمة أدوات الدعم، سواء من خلال القروض الميسرة، أو الضمانات الائتمانية، أو صناديق التمويل، أو رأس المال الجريء، أو الاستثمار المباشر، أو أدوات التمويل الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا المالية. وتؤكد التجارب الدولية أن صعوبة الحصول على التمويل تمثل أحد القيود المستمرة أمام نمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خصوصا في الاقتصادات النامية.
لكن التمويل، مهما كان مهما، لا يصنع مؤسسة ناجحة بمفرده. فهناك حاجة أيضا إلى التدريب، والاستشارات، وحاضنات ومسرعات الأعمال، وتسهيل إجراءات الترخيص، وتبسيط المتطلبات الحكومية، وتوفير المعلومات، وفتح الأسواق، وتشجيع التصدير، ودعم التحول الرقمي والابتكار، وتوفير الأراضي والمواقع المناسبة لبعض الأنشطة.
كما أن المشتريات الحكومية يمكن أن تتحول إلى أداة اقتصادية مهمة من خلال إتاحة حصة عادلة من المناقصات والمشتريات للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع وضع آليات تمنع تحول هذه السياسة إلى مجرد تقسيم شكلي للعقود دون بناء قدرات حقيقية لدى المؤسسات المستفيدة.
الدعم الناجح، إذن، ليس شيكًا يُسلَّم للمؤسسة ثم تنتهي العلاقة؛ وإنما منظومة متكاملة تبدأ من فكرة المشروع وتمتد إلى التدريب والتمويل والتسويق والإنتاج والتوسع والتصدير.
ورغم هذه الأهمية، تواجه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في الدول النامية مجموعة متشابكة من العقبات. ويأتي في مقدمتها صعوبة الوصول إلى التمويل، وارتفاع كلفة الاقتراض، وضعف الضمانات، ومحدودية الخبرة المالية والإدارية لدى بعض أصحاب الأعمال.
وتواجه كذلك تحديات تتعلق بالأسواق؛ فالمؤسسة الصغيرة قد تستطيع إنتاج سلعة أو تقديم خدمة جيدة، لكنها لا تملك القدرة التسويقية أو شبكة التوزيع التي تمكنها من الوصول إلى العملاء. كما أن ضعف المعرفة بالأسواق الخارجية ومتطلبات التصدير والمعايير الدولية قد يحول دون تحول المؤسسة الناجحة محليًا إلى مؤسسة قادرة على المنافسة إقليميا وعالميا.
وهناك أيضا تحديات مرتبطة بالتكنولوجيا والتحول الرقمي، ونقص المهارات المتخصصة، وارتفاع تكاليف التشغيل، والمنافسة الشديدة، وعدم استقرار بعض التشريعات أو الإجراءات، إضافة إلى صعوبة الانتقال من مشروع يديره صاحبه بصورة مباشرة إلى مؤسسة لديها أنظمة مالية وإدارية وحوكمة واضحة.
وفي بعض الاقتصادات العربية والخليجية، تظهر تحديات أخرى، من بينها الحاجة إلى زيادة مساهمة هذه المؤسسات في القطاعات الإنتاجية والتقنية والصناعية وسلاسل الإمداد، وعدم تركّزها بصورة مفرطة في الأنشطة التجارية والخدمية التقليدية.
ومن الأمور التي ينبغي تجنبها التعامل مع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ باعتبارها قطاعًا يحتاج إلى حماية دائمة. فالدعم الحكومي يجب أن يكون وسيلة للانتقال إلى القدرة على المنافسة، وليس بديلا عن المنافسة.
وتبدأ المعالجة بتصميم برامج دعم مختلفة حسب مرحلة المؤسسة وطبيعة نشاطها. فالمشروع الناشئ يحتاج إلى التدريب والحضانة ورأس المال الأولي، بينما تحتاج المؤسسة القائمة إلى تمويل التوسع، وتحسين الإنتاجية، والوصول إلى الأسواق، وتطوير الإدارة. أما المؤسسة التي وصلت إلى مرحلة النمو فتحتاج إلى أدوات مختلفة، مثل التمويل الاستثماري، والتصدير، والشراكات الدولية، والابتكار.
وهنا يتم التركيز على أهمية التدريب المستمر لأصحاب الأعمال. فنجاح المؤسسة لا يعتمد على امتلاك فكرة جيدة فقط، وإنما على قدرة صاحبها على إدارة التدفقات النقدية، والتفاوض، وإدارة الموظفين، والتسويق، واستخدام التكنولوجيا، وقراءة القوائم المالية، وفهم الضرائب والأنظمة، والتخطيط للمخاطر والتوسع.
إنَّ تدريب رائد الأعمال مرة واحدة عند تأسيس المؤسسة لا يكفي؛ فالمؤسسة التي تتغير أسواقها كل عام تحتاج إلى صاحب عمل يتعلم ويتطور معها.
** مستشار أكاديمي