أخبار

مفاتيح العالم في يد واحدة: هل أصبح العالم فوضى بعد حرب هرمز؟

بقلم: د. جمالات عبدالرحيم

في توقيت تشتعل فيه المنطقة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، جاءت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لتفتح الباب أمام سؤال واحد: هل نحن أمام «حرب ضرورة»، أم أمام محاولة فجة للاستيلاء على مفاتيح العالم كلها؟

اللافت أن المضيق الذي أشعلت بسببه الحرب كان مفتوحًا، والسفن كانت تعبر، والنفط كان يتدفق. فلماذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟

أولًا: هرمز كان مفتوحًا.. فمن أغلقه؟

قبل 28 فبراير 2026، كان مضيق هرمز يعمل بكامل طاقته، وكانت نحو 20 مليون برميل من النفط تعبره يوميًا، بما يعادل خُمس استهلاك العالم. ولم تكن هناك أي إشارات إلى إغلاقه، حتى مع وجود توترات سياسية.

لكن مع بدء الضربات الأمريكية والإسرائيلية على الداخل الإيراني، تغير المشهد. أعلنت طهران أنها ستستخدم «ورقة المضيق» كورقة ردع، وفي المقابل أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، وقالت بوضوح: «لن يُرفع الحصار إلا بعد إتمام الصفقة 100%».

هنا وقعنا في مفارقة خطيرة: طرف يتهم الآخر بالإغلاق، وهو نفسه يفرض حصارًا، وطرف يدّعي الدفاع عن حرية الملاحة، وهو من أشعل الحرب التي أدت إلى تعطيلها.

والنتيجة واحدة: السوق العالمي يدفع الثمن، وأسعار الطاقة تقفز، وآسيا هي أول الخاسرين.

ثانيًا: خطة «المفاتيح الخمسة» للسيطرة

من يتابع المشهد بدقة يدرك أن إيران لم تكن الهدف النهائي؛ فقد تكون إيران مجرد الباب الأول. أما الخطة، في هذا التصور، فأكبر من ذلك: السيطرة على مفاتيح الجغرافيا والطاقة في الإقليم.

المفتاح الأول: مضيق هرمز

للتحكم في نفط الخليج، وخنق الصين؛ إذ إن نحو 80% من واردات بكين النفطية تمر عبر هذا الممر الحيوي. وإغلاقه أو تهديده يعني تهديد إمدادات الطاقة التي تعتمد عليها المصانع الصينية.

المفتاح الثاني: باب المندب وأرض الصومال

الحديث عن اعتراف أمريكي بأرض الصومال وإقامة قاعدة في «بررة» ليس صدفة، وفق هذا الطرح. فالهدف هو إغلاق الطريق أمام الصين في القرن الأفريقي، وقطع أي عمق استراتيجي لمصر في أفريقيا، والسيطرة، بالتنسيق مع إسرائيل، على مدخل البحر الأحمر.

المفتاح الثالث: سد النهضة

سلاح مائي مدعوم أمريكيًا وإسرائيليًا، بحسب هذا الطرح. والغرض منه واضح: الضغط على مصر، والتأثير في موارد النيل، ودفع القاهرة إلى مواجهة في الجنوب، بينما هي مشغولة في الشرق والبحر الأحمر.

المفتاح الرابع: قناة السويس

عندما يشتعل البحر الأحمر، يهرب العالم إلى قناة السويس. وعندما يتم التحكم في باب المندب، تصبح القناة تحت رحمة من يملك المدخل والمخرج.

المفتاح الخامس: السلاح والتطبيع

تسريع التطبيع مع أربع دول عربية خلال أربع سنوات. وكانت المعادلة، وفق هذا التصور، واضحة: «أموال وعلاقات مقابل الصمت»، وصفقات سلاح بمئات المليارات مقابل غض الطرف عما يحدث.

ثالثًا: حصار شامل.. ومنع أي دعم

كيف يمكن أن تكون كل أدوات القتال في يد الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه يُفرض حصار خانق على إيران من كل جانب؟

الهدف، بحسب هذا الطرح، واضح: إجبار إيران على الاستسلام.

وعندما تحاول أي من قوى المقاومة دعم إيران، أو حتى الدفاع عن نفسها، يخرج البيان الجاهز: «عقوبات»، و«إرهاب»، و«تهديد للسلم العالمي».

أما عندما تسأل: ولماذا تُقصف المستشفيات والمدارس؟

تكون الإجابة الجاهزة: «إسرائيل من حقها أن تدافع عن نفسها».

أي منطق هذا الذي يجعل للمعتدي حق الدفاع، ويمنع عن المعتدى عليه حتى حق الرد؟

رابعًا: حلم «ملك العالم»

ما نشهده ليس سياسة خارجية تقليدية، بل هو، في هذا التصور، مشروع شخصي؛ مشروع رئيس يريد أن يتفوق على كل من سبقوه، وأن يخرج للتاريخ وهو يقول: «أنا من امتلكت كل المفاتيح».

مفاتيح المضائق، ومفاتيح الممرات، ومفاتيح السدود والأنهار، ومفاتيح أسعار الغاز والنفط، ومفاتيح بيع السلاح.

لهذا رأيناه يفرض اتفاقيات «كاذبة» مع إيران، ثم يتهمها بامتلاك السلاح النووي. ورأيناه يعتدي على مسؤولين إيرانيين كبار، ثم لا يُحاسب. ورأيناه يريد أن ينسب مضيق هرمز إلى أمريكا، وأن يهدد إيران، وأن يرهب الجميع.

وفي النهاية، يخرج في مؤتمر صحفي، ويرقص بكأسه، ويعلن نفسه «البطل المنتصر» الذي أعاد الهيبة إلى أمريكا.

لكن أي هيبة هذه التي تُبنى على إغلاق الممرات، وتجويع الشعوب، وتهجير الأبرياء؟

خامسًا: دول الخليج والعرب.. بين الفهم والصمت

لا أحد في الخليج غبي. الجميع يفهم اللعبة، ويفهم أن الحرب ليست من أجل البرنامج النووي الإيراني، لأن الملف النووي كان يمكن حله بالتفاوض.

ويفهم أن الهدف هو إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم، حتى تستمر صفقات السلاح، وحتى تبقى الحماية الأمريكية هي الضامن الوحيد.

لكن السؤال: لماذا الصمت؟

لأن «اتفاق الصفقات» المزيف بين ترامب ونتنياهو وبعض العواصم العربية جعل الانسحاب مكلفًا. فإما أن تكون معنا وتصمت، أو تكون ضدنا وتواجه مصير إيران.

سادسًا: مصر في قلب الطوق

مصر هي الدولة الوحيدة التي قالت «لا» بوضوح:

«لا» للتهجير إلى سيناء.

«لا» للتفريط في نقطة مياه.

«لا» لأن تصبح جزءًا من شرق أوسط جديد يُرسم في واشنطن وتل أبيب.

ولهذا أصبحت مصر، وفق هذا الطرح، مستهدفة من كل الاتجاهات:

من الشرق: إسرائيل والتطبيع.

من الجنوب: إثيوبيا والسد.

من البحر الأحمر: أرض الصومال.

ومن الناحية الاقتصادية: العزلة والديون وصندوق النقد.

لكن في خضم هذا الطوق، جاءت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة.

جاء ليقول: «من يشرب من مياه النيل يعود إليه».

وجاء ليفتح نافذة للاستثمار والبناء بلا إملاءات، وليقول إن هناك بديلًا للهيمنة الواحدة.

سابعًا: أين الأمانة؟ ومن يستحق المفاتيح؟

في الشارع العربي والإسلامي، بل وفي شوارع أوروبا وأمريكا نفسها، خرجت الملايين تقولها صريحة: «أمريكا وإسرائيل غير مرحب بهما».

لأنهم يرون أنهما وراء الحروب في الشرق الأوسط والعالم كله.

فهل هؤلاء هم الأمناء على حمل مفاتيح الأمانة؟

هل من يُشعل الحروب، ويُجوّع الشعوب، ويُفكك الدول، هو الجدير بأن يمسك بمفاتيح الطاقة والممرات؟

هنا نتذكر درسًا عظيمًا:

«إن خير من استأجرت القوي الأمين».

سيدنا يوسف عليه السلام لم يُمكَّن من خزائن أرض مصر بالقوة فقط، بل مُكِّن لأنه كان قويًا: لديه علم وتخطيط، وكان أمينًا: لم يخن، ولم يظلم، ولم يسرق.

خزائن مصر لم تُسلَّم لمن يهدد ويبتز، بل سُلِّمت لمن قال:

«اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم».

فكيف يدّعون الخير والسلام لمصر، ومن ناحية أخرى يسرقون مصر من جميع الجهات؟

الخاتمة: البطولة في الصمود

هل أصبح العالم فوضى لمجرد أن رئيسًا قرر أن «يغتصب» دولة ذات سيادة بكل سهولة، ثم يخرج للاحتفال؟

البطولة ليست فيمن يضرب ثم يرقص.

البطولة فيمن يصمد رغم الحصار.

البطولة فيمن يقول كلمة الحق أمام أمريكا وإسرائيل.

البطولة في شعب يرفض أن يكون أضحوكة، ويرفض أن يتحول نهره إلى سلاح، وأرضه إلى معسكر للاجئين.

ما يحدث الآن ليس انتصارًا، بل استنزاف.

إنها محاولة أخيرة ويائسة للتمسك بقطبية واحدة قبل أن تنهار.

لأن التاريخ علّمنا درسًا واحدًا: من يحاول أن يمسك كل مفاتيح العالم بيده وحدها، ستسقط منه، في النهاية، المفاتيح كلها.

«ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين».

وحفظ الله أرض الكنانة مصر، وقادتها وشعبها.

والله خير الحافظين.

اترك تعليقاً

إغلاق