أخبار

ماذا لو..؟! | جريدة الرؤية العمانية

 

 

بقلم ريتّا دار

darrita936@gmail.com

 

لا أثق بأي شخص يقول إنه يتخذ قراراته بسرعة.

لأنني أعرف تمامًا ماذا يحدث عندما يكون القرار بسيطًا جدًا. تختار طابورًا، أو مصعدًا.

ثم تقضي الدقائق التالية كلها تراقب الخيار الذي لم تختره.

بدأت ألاحظ هذا الأمر في أحد المطارات.

كان أمامي طابوران للتفتيش. وقفت دقيقة كاملة أحلل المشهد كما لو أنني أستعد لعملية عسكرية.

في الطابور الأول عائلة كبيرة معها أطفال، وفي الثاني مسافرون أفراد عُزّب مثلي.

قلت لنفسي بثقة الخبير: “منطقي جدًا.. الأفراد سيكونون أسرع.”

اصطففت في طابوري وأنا أشعر أنني اتخذت القرار الصحيح.

وبعد أقل من دقيقة، قرر أحد الأشخاص أمامي أن حقيبته تحتاج إلى تفتيش يدوي. ثم تذكر أن في جيبه هاتفًا آخر، ثم ساعة، ثم مفاتيح، ثم أشياء أخرى لا أعرف كيف دخل بها إلى المطار أصلًا.

أما الطابور الآخر، فقد كان يتحرك بهدوء مذهل.

وقفت أراقبه وهو يبتلع الناس واحدًا تلو الآخر، بينما أنا في مكاني يغمرني الغيظ ولا أتحرك.

وهنا حدث الشيء الغريب. لم أعد أهتم بالطابور الذي أقف فيه. كل اهتمامي انتقل إلى الطابور الذي لم أختره.

صرت أعد الأشخاص الذين خرجوا منه، وأحسب كم دقيقة كنت سأوفر لو وقفت هناك، وأشعر، مع كل شخص يغادر، أنني ارتكبت خطأ تاريخيًا.

بعدها بأيام، تكرر المشهد في البقالة. وقفت خلف سيدة تحمل سلة صغيرة.

ابتسمت. هذه المرة لا يمكن أن أخطئ. يوجد ثلاث أو أربع قطع فقط في سلتها، ثم سأخرج.

لكن السيدة، ولسبب لا أعرفه حتى اليوم، تذكرت فجأة أنها نسيت بعض الأغراض.

تركت سلتها عند المحاسب، واختفت بين الرفوف.

وفي الوقت نفسه، كان الطابور المجاور، الذي تركته لأنه بدا أطول، ينتهي بالكامل.

الغريب أنني لم أنزعج من التأخير نفسه. انشغلت فقط بمراقبة الطابور الآخر.

وكأن لدي مهمة عاجلة تفرض عليّ أن أعرف كم كانت حياتي ستكون أفضل لو وقفت هناك.

ثم اكتشفت أنني أفعل الشيء نفسه مع المصاعد.

أقف أمام مصعد. أنتظر قليلًا. أشعر أنه تأخر.

فأقرر الانتقال إلى المصعد الثاني.

وما إن أصل إليه، حتى أسمع صوت باب المصعد الأول وهو يفتح.

أعود مسرعًا. فيغلق الباب في وجهي ويغادر.

لا أعرف كيف تكتشف المصاعد أنني غيرت رأيي.. لكنها تفعل.

بعد سنوات من هذه المواقف، اخترعت لنفسي نظرية كاملة.

نظرية تقول إن الإنسان لا يندم بسبب القرار الذي اتخذه، بل بسبب القرار الذي لم يتخذه.

فنحن بمجرد أن نختار، يبدأ العقل ببناء حياة بديلة كاملة.

الحياة التي كانت ستحدث لو اخترنا الطابور الآخر، أو المصعد الآخر، أو الشخص الآخر.

وفجأة، تصبح الحياة التي لم نعشها أكثر جمالًا من الحياة التي نعيشها. والأغرب أننا لا نملك أي دليل على ذلك.

نحن فقط نفترض.

نفترض أن الاختيارات الأخرى كانت أسرع، أو أقصر، أو أفضل.

أعتقد أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يتعذب بقرارين متناقضين في الوقت نفسه.

يتعب من القرار الذي اتخذه، لأنه يعيش نتائجه، ويتعب من القرار الذي لم يتخذه، لأنه يتخيل نتائجه.

فيحمل فوق كتفيه حياتين بدلًا من واحدة.

حياة حقيقية، بكل ما فيها من أخطاء وعشوائية، وحياة متخيلة، لا يحدث فيها شيء سيئ أبدًا، لأن الخيال كريم جدًا مع الاحتمالات التي لم تقع.

وربما لهذا السبب يبدو الخيار الآخر دائمًا أكثر ذكاء، وأكثر حظًا، وأكثر عدلًا.. ليس لأنه كان كذلك فعلًا، بل لأنه لم يحصل أصلًا.

وربما لهذا السبب لا يكون اتخاذ القرار هو الجزء الأصعب.

الجزء الأصعب يبدأ بعده، عندما يتحول كل ما لم نختره إلى نسخة مثالية داخل رؤوسنا.

فنبدأ بمحاكمة أنفسنا بأدلة لا وجود لها.

نتذكر القرار الذي اتخذناه، ثم نحاكمه بالقرار الذي لم نتخذه. والأسوأ من ذلك أن الطرف الثاني لا يدافع عن نفسه أبدًا.

لأنه لم يحدث أصلًا. لذلك يبقى مثاليًا. لا يخطئ، ولا يتأخر، ولا يفشل، ولا يخذلنا.

بينما القرار الذي عشناه يحمل كل عيوب الواقع، وكل مصادفاته، وكل سوء حظه.

ولهذا تبدو المقارنة ظالمة منذ البداية.

ولا يخطر في بالنا احتمال بسيط جدًا..

أننا لو اخترنا ذلك الطابور، لكنا الآن نقف فيه، ونراقب الطابور الآخر، مقتنعين أننا أخطأنا مرة أخرى.

وبعد أن تكررت هذه المسرحية معي مرات لا تحصى، اكتشفت أنني لست أول من لاحظها.

علماء النفس سبقوني إلى هذه الفوضى، وأعطوها اسمًا أنيقًا: التفكير الافتراضي.

وهو ميل الإنسان إلى تخيل ما كان سيحدث لو اتخذ قرارًا مختلفًا، وإعادة كتابة الواقع داخل رأسه، غالبًا بطريقة تجعل الخيار الذي لم يختره يبدو أفضل مما كان عليه في الحقيقة.

أعجبتني الفكرة، لأنها برأتني قليلًا.

فقد اتضح أن المشكلة ليست سوء اختياراتي.

المشكلة أن دماغي، بمجرد أن يختار، يبدأ بالحنين إلى الخيار الذي تركه.

وربما هذا لا يحدث في الطوابير فقط، بل يحدث في أشياء أكبر بكثير.

وظيفة لم نقبلها. مدينة لم ننتقل إليها. فرصة تركناها.

وقرار اتخذناه بثقة، ثم قضينا سنوات نتساءل كيف كانت ستبدو حياتنا لو اخترنا غيره.

لهذا السبب لا أصدق كثيرًا تلك الحياة المثالية التي يصنعها عقلي بعد كل قرار.

لأنها لا تخضع لأي اختبار، ولا تواجه أي مفاجآت، ولم تقف في أي طابور.

إنها حياة لا تعيش إلا داخل الخيال، ولذلك تبدو دائمًا أفضل.

ولم أعد أصدق ذلك الصوت الذي يظهر بعد كل قرار، ويقنعني أنني كنت سأكون أسعد لو اخترت غيره.

لأنه، على الأغلب، كان سيقول الشيء نفسه مهما كان اختياري.

أعتقد أن هذه هي الحيلة الأذكى التي يمارسها العقل علينا ويعذبنا بها. إنه لا يكتفي بأن يجعلنا نعيش حياتنا، بل يدفعنا إلى الحنين، بين حين وآخر، إلى حياة لم ولن نعيشها أصلًا.

ولهذا السبب تحديدًا، لم أعد أخاف من القرارات بقدر ما أخاف من سؤال واحد يتسلل بعدها بهدوء: “ماذا لو؟”.

لأنه السؤال الوحيد الذي لا يغير الماضي أبدًا، لكنه قادر على أن يفسد الحاضر، ويسرق متعته بالكامل.

اترك تعليقاً

إغلاق