أخبار

عندما تتدخل الخوارزميات في “الساحرة المستديرة”: هل ألغت التكنولوجيا إنسانية المونديال؟

مؤيد الزعبي

مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، نجد أنفسنا كمتابعين للبطولة أمام تساؤل عميق حول ما إذا كانت التقنيات الحديثة قد جعلت تجربتنا في المشاهدة أفضل، أم أنها حولت الساحرة المستديرة إلى عرض ترفيهي معقم ومفرغ من الروح الإنسانية العفوية، وهل ما زلنا نشاهد كرة القدم التي عشقناها منذ الطفولة، أم أننا تحولنا إلى مراقبين لـ “مصفوفة رقمية” تُدار بعناية خلف الشاشات؟، والأهم هل تخدم التكنولوجيا كوك القدم كلعبكورياضة، أم أنها جردتها من أثمن ما تملك: العاطفة، والخطأ البشري، والجدل الذي يمنح الشارع الرياضي حيويته بعد كل مباراة؟.

إن الحديث عن هندسة الساحرة المستديرة والشاشات الذكية والملاعب بلا أخطاء يأخذنا مباشرة إلى النسخة الحالية من المونديال، والتي تأتي لتضع حداً فاصلاً بين عصرين؛ عصر المستطيل الأخضر التقليدي، وعصر “الملاعب الذكية” المعتمدة على البنية التحتية السحابية والذكاء الاصطناعي، فلم يعد الأمر مقتصراً على تقنية الفيديو المساعد VAR التي أثارت من الجدل أكثر مما حسمته حتى باتت تسمى بين الجمهور بعباراة “الفار من أجل الكبار”، واليوم انتقلنا لمستويات غير مسبوقة من الرقابة التكنولوجية من خلال تقنيات متكاملة دخلت مونديال 2026 وتُطبق لأول مرة على نطاق واسع، مثل أنظمة استشعار خروج الكرة Out-of-bounds Tech لتحديد ما إذا كانت الكرة قد تجاوزت الخطوط بدقة متناهية تنهي الجدل التاريخي حول رميات التماس، بالإضافة لكاميرات الحكامRef Cams التي تمنح المشاهدين رؤية حية ومباشرة بزاوية عيون الحكم بهدف تقريب الجماهير من كواليس القرار، بالإضافة إلى تقنية التسلل شبه الآلي المدعوم بالذكاء الاصطناعي SAOT والتي تعالج البيانات عبر صور ثلاثية الأبعاد 3D Avatars تُحدد وضعيات اللاعبين خلال أجزاء من الثانية بالإضافة لكون الكرة نفسها تحتوي على شرائح استشعار دقيقة، وهي إشكالية فلسفية تحول فيها التكولوجيا من أداة مساعدة إلى موجّه أساسي لنسق اللعبة وشكلها وطبيعتها.

في أحيان كثيرة نقول أن هذه التقنيات هي فعلاً مفيدة وتأتي في صالح الفرق والمنتخبات لتحسم الجدل حول الكثير من الأخطاء التحكيمية، وفي الوقت نفسه نجد أن كرة القدم باتت معقدة بشكل كبير، وربما هذا كله سببه أننا أتينا من عصر الملاعب بلا تكنولوجيا، فلذلك لم نعتاد بعد على كل هذه التطورات، وربما في المستقبل سنقول كيف كنا نستمتع بكرة القدم بدون هذه التكنولوجيا، فحتى الآن تأثير التكنولوجيا على تجربتنا لم تُحسم بعد.

إذا انتقلنا من المدرج إلى الشاشة وكيف يعيش المشاهد خلف الشاشات، فإن التجربة بلا شك أصبحت أكثر ثراءً من الناحية البصرية والمعلوماتية وذلك بفضل تقنيات التصوير عالية الدقة، وأيضاً مع استخدام الرسومات التوضيحية والعناصر البصرية على الشاشة جعلت المشاهد مبهور من هذه التجربة حيث بات الملعب بكامل تفاصيله وزواياه واللاعبين بكافة ردود أفعالهم وتصرفاتهم حاضرة بالدقة والتفصيل أمامنا، فنحن نعيش اليوم عصر “البيانات المتدفقة”؛ حيث يُعرض للمشاهد معدل ركض اللاعب، ونبضات قلبه، واحتمالية تسجيل الهدف قبل تسديده عبر تقنيات البث الصوتي المحيطي بـ 360 درجة وشاشات الـ 8K المدعومة بالواقع المعزز، حتى بات المشاهد في منزله يمتلك أدوات تحليلية تفوق ما يملكه المدرب الجالس على مقاعد البدلاء، إلا أن هذا الإفراط الرقمي قد يعزل المشاهد عن العاطفة الخام للمباراة بعد أن تحولت الكرة من شغف غريزي إلى معادلة رياضية ربما تكون جافة يتم تفكيكها مباشرة أمام أعيننا، لذلك هناك صورتان مختلفتان من جانب تجربة بصرية ممتعة ومن جانب تعقيدات معلوماتية وتحليلية، ولكل شخص رأي في هذا الجانب، ولكن ما اعتقده شخصياً أن هذه التغيرات ستصبح يوماً بعد يوم جزء من تجربتنا التي سنعتادها وربما نحبها ونصبح شغوفين أكثر بها.

هذا التحول الذكي يقودنا متسائلين عن المكان الذي يقع فيه العنصر البشري في هذه المنظومة المعقدة، فجمالية كرة القدم عبر تاريخها الممتد نبعت من كونها انعكاساً للطبيعة البشرية التي تحمل الدهاء في لحظة، والهفوة القاتلة في آخرى، وعدالة الإلهام لا عدالة الآلة الصارمة، وعندما نلغي احتمالية خطأ الحكم ونحول تحركات اللاعبين إلى نقاط بيانية تلاحقها كاميرات التتبع البصري الموزعة في زوايا الملعب، فإننا نسحب تدريجياً ما أسميه الدراما الإنسانية وهذه الدراما هي جزء أساسي يحرك شغفنا تجاه كرة القدم.

أما في مسألة التحكيم فنحن نحول الحكم من مختص يدير المباراة وفق قراراته الشخصية وخبرته القانونية إلى مجرد منفذ لقرارات الخوارزميات والذكاء الاصطناعي، بل بات الحكم مصور متنقل ينقل لنا الصورة من كاميرا مثبته على رأسه، ومازلت شخصياً أجد أننا أبعدنا الحكم عن أساس عمله وجعلنا خبراته وقراراته جزء ثانوني وقدمنا عليها القرارات الخوارزمية، أما فيما يخص اللاعب نفسه فقد تحول إلى روبوت بيولوجي إن صح هذا التعبير، فاللاعب باتمحكوم بالبيانات اللحظية سواء في آداء وأسلوب عمله وحتى في جاهزيته البدنية والفنية، وهو ما قد قد يقتل روح اللعبة وجوهرها الإنساني بالنسبة للاعبين ويجعل الضعوطات التي يتحملونها أشد وطأة، ومع مرور الوقت سنعرف فيما إذا كان هذا الأمر سيغير من جودة اللاعبين ومهاراتهم وتقنياتهم الرياضيةأو ستجعلهم في وقت لاحق غير قادرين على مواصلة اللعب بسبب الضغط النفسي والبدني المتصاعد الذي يلاحقهم.

إن انعكاس هذا الواقع الرقمي الجديد على واقعنا ومستقبلنا الرياضي؛ فالتكنولوجيا في كأس العالم 2026 ليست دخيلة بل هي واقع فرض نفسه كشريك مهيمن، والتحدي الأكبر اليوم يكمن في إيجاد خط مرن يسمح للآلة بأن تضمن العدالة، دون أن تسمح لها بامتصاص الشغف العفوي الذي جعلنا يوماً ونحن خلف الشاشات أو في المدرجات نعشق هذه اللعبة ونسميها الساحرة المستديرة لأنها سحرت العقول وخطفت القلوب بسبب شغفها الإنسانيوالمنافسة على مستوى اللاعبين والأندية وحتى المنتخبات، ولذلك مازالت الصورة غير كاملة حول تأثير التكنولوجيا في وقت أجد أن العودة أو العدول عن استخدام التكنولوجيا في الملاعب لم يعد خياراً مطروحاً، فلذلك أجد أننا كمشاهدين يجب أن نعتاد على هذه المتغيرات ونجعلها جزء من شغفنا، وأيضاً أجد أن هذه التطورات تفتح أمامنا فرص كثيرة للعمل في هذا القطاع، الذي بات يتطلب وجود محللين متخصصين في الرياضيات والخوارزميات وتحليل البيانات بخلاف ما كان سابقاً معني بسكل أكبر بمن هم متخصصين بالحوانب الرياضية والفنية.

ومع هذه القفزات المتسارعة، يبرز تساؤل مستقبلي حتمي حول إلى أين ستذهب التكنولوجيا بكرة القدم في قادم الأيام؛ فالأمر لن يتوقف عند حدود رصد المخالفات أو بث البيانات، بل نحن نمضي سريعاً نحو عصر “التنبؤ الرياضي الكامل”، وقد نشهد دخول خوارزميات الذكاء الاصطناعي التوليدي للتنبؤ بالإصابات قبل حدوثها عبر تحليل مجهري لجهد عضلات اللاعبين في الوقت الفعلي، وتطوير نظارات الواقع الممتد XR التي ستنقل المشاهد من أريكة منزله ليجلس افتراضياً على مقاعد بدلاء فريقه المفضل أو يركض بجانب المهاجم في خط الهجوم، وهذا التمدد التقني قد يصل إلى استبدال بعض الأدوار التحكيمية بالكامل بمنظومات ذاتية الإدارة، مما يضعنا أمام واقع جديد قد تختفي فيه الصفارة البشرية تماماً، لتصبح كرة القدم لعبة تُدار وتُحلل وتُشاهد عبر الذكاء الاصطناعي، في مشهد يثير الحماس بقدر ما يثير القلق على ما ستبقى من هوية هذه الرياضة الشعبية.

اترك تعليقاً

إغلاق