أخبار
معركة الوعي | جريدة الرؤية العمانية

مرفت بنت عبدالعزيز العريمي
ناقش حلف الناتو عام 2020 الحرب الإدراكية والتي سميت فيما بعد بالمجال السادس وهو حرب جديدة تجعل من العقل البشري ساحة حسم للصراعات. المجال السادس هو امتداد للحروب النفسية والدعاية التي تستخدم كأداوت لتشكيل الآيدلوجيات والرأي العام والتأثير على معنويات العدو.
فبعد الطابور الخامس الذي كان يستخدم في الحروب التقليدية لزعزعة صفوف الجنود إلى الحروب السيبرانية التي كانت في تسعينيات القرن الماضي مع ظهور الإنترنت والتي اعتمدت على البرمجيات والقرصنة إلى المجال السادس.
المجال السادس يستهدف العقل كيف يفكر.. كيف يشعر.. المشاعر والعواطف.. عملية اتخاذ القرارات وعلى العلوم العصبية وأساليب إثارة الخوف والهلع والغضب والولاء والانتماء بشكل ممنهج ومدروس.
لقد ساعدت التقنيات الحديثة في تمكين المجال السادس من تحقيق نتائج فعالة من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع جمع وتحليل بيانات المستخدمين وإعادة تشكيلها بما يخدم الغايات واستهداف المتلقين برسائل متخصصة ووسائل التواصل الاجتماعي التي وفرت الوصول المباشر للعقول المدنيين والعسكريين عبر الهواتف وأجهزة الحاسوب والتلفاز. تعد السيطرة على العقول بمثابة الانتصار في الحرب دون إطلاق رصاصة واحدة.
تعد حرب المعلومات والتصريحات في النزاعات الحديثة من المسلمات في كل نزاع والذي يهدف إلى صناعة الواقع من خلال استخدام التكنولوجيا وإدارة المعلومات والحروب السيبرانية لتحقيق ميزة استراتيجية.
في زمن الحرب تصبح الكلمة سلاحا استراتيجيا لا يقل تأثيره عن العتاد العسكري أو ما يطلق عليه المعركة على السردية. فالكلمة تبني الصمود وترفع المعنويات وتعزز الجبهة الداخلية والهوية الوطنية، في المقابل ممكن للكلمة إذا استخدمها العدو في سياق محبط في زعزعة الثقة وإثارة الذعر بين الناس الكلمة لا تستخدم فقط بهدف التضليل فبعض المعلومات تنشر بهدف الإرباك حتى لا يستطيع الفرد التميز بين الحقيقة والزيف. انها باختصار معركة الوعي.
ففي الحرب لا يكون الانتصار فقط بالميدان؛ بل بمن يروي القصة في سردية تستقطب المجتمع الدولي والمحلي. والغلبة لمن ينشر الكلمة الأولى، فتصحيح المفاهيم المغلوطة التي نشرها الخصم، يصعب من عملية تغيير المفاهيم التي ترسخت في أذهان شريحة كبرى من المتلقين.
وفي العصر الرقمي لم تعد الكلمة حكرا على المؤسسات الإعلامية والرسمية، فمنشور أو تغريدة لفرد في منطقة النزاع قد تغير مسار الرأي العام أو قد تكشف خفايا. فالحقيقة عادة ما تظل مخفية بين السطور والعناوين والصور، لذلك فإن المصداقية ودقة المعلومات يحتاج إلى الكثير من البحث فلم تعد المنصات آمنة فما عدا الرسمية منها.
الكلمة في زمن الحرب أما درعا يحمي الحقيقة أو سهما يصيب الوعي؛ لذلك تقوم الحكومات بإدارة المعلومات بما يحقق توازنا دقيقا بين البقاء على الاطلاع والحفاظ على السلامة النفسية وأمن البلاد.
من أهم الخطوات التي يجب أن نراعيها كمتلقين في مثل هذه الأوقات تحري المصادر الرسمية والموثوقة وتفادي المصادر المجهولة وتجنب الوقوع في فخ المحتوى المرئي ومشاهد مولدة بالذكاء الاصطناعي؛ فليس كل ما تراه أو تسمعه صحيح وإتباع قاعدة الثواني العشر قبل ان تعيد نشر أية معلومة والأفضل ان تبقيها ولا تعيد نشرها فهناك جهات معنية ببث المعلومات ونشرها غير المتلقي.
في زمن الحرب يعد الوعي الفردي والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والالتزام بالأنظمة والقوانين والتعليمات الجهات الرسمية حجر الزاوية لمستقبل أفضل وضرورة أخلاقية ووطنية لتجاوز الأزمات، في زمن الحرب العقلانية والحكمة مطلوبين بشدة حتى لا ننساق وراء الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي يمكنها أن تضر أكثر من ان تنفع.
في زمن الحرب تظهر أهمية تعاون كل أفراد المجتمع بمختلف اتجاهاتهم وقناعتهم مع الجهات الرسمية فاليد الواحدة لا تصفق وحماية أمن المجتمع مهمة الجميع وقت السلم قبل الحرب.