أخبار

طقوس الموت | جريدة الرؤية العمانية

حسين محمد 

عندما يموت الإنسان، نقول: رحمه الله، ونبادر إلى دفنه، وينتهي العزاء في يوم أو يومين، مرجعين أمرنا إلى الله سبحانه وتعالى.

في الماضي، كان موت رجل واحد بمثابة موت قبيلة، وموت أسرة، وكان للفقد معناه كانت البيوت يعمّها الحزن والكآبة، وتقام طقوس وفنون وأهازيج، فيها رثاء وتأبين وعزاء لأهل الميت.

وقد ارتبطت القصيدة الجاهلية بالرثاء، والفقد والخسران والخوف من العدم، وما قد يحلّ على الأسرة من بعد موت أحد أفرادها. وظهرت فنون ارتبطت بهذه العادة؛ إذ عزا البعض إلي انه أسلوب تأبيني، تركز على ذكر محاسن الميت، وتعزية أهله وتسليتهم، حتى يخرجوا من حزنهم وكآبتهم.

ومؤخرًا، دار حديث بيني وبين الباحث عبد الرب بن جوهر عن فنون وتراث شعبي قديم، وتطرقنا إلى فنون عدة، إلى أن قادنا الحديث إلى فن الدان المرباطي، وهو فن جنائزي.

بعد إعلان موت الشخصية، أو بعد دفن الميت، يتبقى القليل من أهل الميت، من الدرجات الأولى والثانية والثالثة والرابعة من الرجال، دون النساء. وتبدأ المرحلة الأولى بعملية «الرزح»، حيث يقوم الرجال بالقفز، وهم يرددون:

«سوبيل ويا سوبيل

وهيلي يالله يا سوبيل».

ثم تمشي مجموعة ثانية، ويُسمّى هذا الجزء «سانديه». ويتجمع فيه الناس، ويكون معهم طبلان إلى ثلاثة طبول، ومعهم سلبهم؛ أي عصيهم أو سيوفهم. وفي العادة كانت السيوف تُؤخذ في المعارك، وأكثر ما يُستخدم العصي، ويرددون:

«هيه هيه هيه ليلاوي،

هيه هيه ليلاوي وياربي سانديه».

ثم ينتقلون جميعًا إلى منطقة ثالثة محددة، تتجمع فيها كل التشكيلات، وتتقدمهم أقرب الأقربين إلى الميت، وهي تنعاه عاصبةً على رأسها حبلًا.

ويتقدمون وهم يرددون بلحن سيّاري، لا كلمات فيه:

«هيدان هيدان هيدان هيدان

هيدانه».

ويلوحون بالسيوف والعصي، حتى يصلوا إلى دار العزاء.

ويرددون الألحان، ومنهم من يأخذ ألحانًا أخرى، مرددين كلمات فيها رثاء للميت أو عزاء لأهله، أو يتنبؤون بأحداث لم تقع بعد.

ثم في النهاية، يعلن أصحاب العزاء:

«للناس بان اليوم عندنا رمسة، ونريدكم تكونون معنا».

وهذه الرمسات تستمر لمدة ثلاث ليالٍ، ويكون فيها فريقان من الرجال، والنساء في الوسط، وتكون هناك عملية الرمي والقفز إلى الأعلى، وكل هذا من أجل تسلية أهل الميت، حتى يخرجوا من حالتهم النفسية الحزينة.

وقد دفعني هذا إلى التأمل في ارتباط هذه الفنون بنشأة الشعر العربي.

قيل إن الشعر في نشأته كان كلامًا غير موزون وغير مقفّى، ثم تحول بعد ذلك إلى قافية، ثم لما تمكّنوا من الكلام، وزنوا هذا الكلام، فكان الشعر.

قال البعض إن الكلام بدأ يُمارس في طقوس وثنية، وقال آخرون إن الكهان مارسوه، أي إنهم كانوا يستخدمونه في طقوسهم وتمتماتهم وسحرهم وشعوذتهم، حتى نشأ السجع. ثم بعد ذلك استُخدم في الجنائز، وفي طقوس التأبين والعزاء والموتى، في اعتقادٍ منهم بأنهم يتواصلون مع أرواح وعوالم أخرى، وأن روح الميت لا تزال موجودة في المكان، وأنها لن ترتاح حتى يؤخذ بثأره إذا كان قتيلًا، أو أن ذلك كان وسيلة لتسلية أهل الميت والتخفيف عنهم.

والسؤال الذي دفعني إلى هذا التأمل: هل من الممكن أن تكون هذه الفنون والطقوس القديمة، بما فيها الرثاء والتأبين والعزاء والأهازيج، قد شكّلت مرحلة من مراحل تطور الشعر العربي القديم؟ أو هل شكّلت مرحلةً تطوّر فيها الكلام العربي من النثر إلى القافية، ثم إلى الوزن، وصولًا إلى الشعر؟

إن فنون الموت القديمة لا تبدو لي مجرد طقوس مرتبطة بالفقد والوحدة، بل أراها قد تكون نافذةً إلى الطريقة التي تعامل بها الإنسان العربي القديم مع الموت، ومع حاجته إلى التعبير.

وكيف يمكن لطقس جماعي أن يتحول من مجرد كلام إلى قافية، ثم إلى إيقاع، ثم إلى وزن، وينتهي إلى الشعر؟

ولعلني لم أجب في هذا المقال، وإنما طرحت سؤالًا أكثر مما قدمت جوابًا.

هل بدأ الشعر من حاجة الإنسان إلى أن يعبّر عن خسارته وفقده، أم من حاجته إلى الطقس؟

وهل كان الرثاء أحد الأبواب التي عبرت منها الكلمة العربية من الكلام إلى القافية، ومن القافية إلى الوزن، ومن الوزن إلى الشعر؟

اترك تعليقاً

إغلاق