أخبار

مجلس التعاون الخليجي.. وطن السلام في عواصف الحروب والطاقة

 

 

 

أحمد الشيخ عبدالله الفضالة **

fadala1@gmail.com

 

ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط أو أعلام تُرفع في المناسبات، بل هي تاريخ وذاكرة ومصير مشترك تُختبر حقيقته كلما اقتربت الأخطار من سمائها وحدودها. ولهذا فإنَّ حب الوطن لا يُختبر في أوقات الهدوء والرخاء، بل في لحظات القلق حين تقترب الأخطار من سمائه وحدوده. عندها يظهر الفرق بين من يُردد حب الوطن في الكلمات، ومن يترجمه موقفًا ومسؤولية.

وقد دخلت منطقة الخليج العربي يوم السبت 28 فبراير 2026 مرحلة جديدة من التوتر منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة، الولايات المتحدة الأمريكية مع الكيان الصهيوني من جهة أخرى، وما تبعها من تصعيد إقليمي ودولي شاركت فيه أطراف دولية أخرى. ومع اتساع دائرة المواجهة امتدت آثار هذا التصعيد إلى محيط المنطقة، لتلامس أمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي.

وفي خضم هذه التطورات تعرضت منشآت حيوية في جميع دول مجلس التعاون الخليجي لاعتداءات بالصواريخ والطائرات المسيّرة أوقعت ضحايا من المدنيين الأبرياء، حيث استهدفت مرافق مدنية واقتصادية تمثل ركائز أساسية للحياة والتنمية. وشملت هذه الاعتداءات منشآت مرتبطة بالبنية التحتية الحيوية مثل حقول النفط، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد وتزويد الكهرباء، ومصافي تكرير النفط، إضافة إلى مرافق صناعية وخدمية أخرى.

ولا يخفى أن استهداف مثل هذه المنشآت لا يمس دول المنطقة وحدها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فدول مجلس التعاون الخليجي تمثل أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، وأي اضطراب في منشآت النفط أو سلاسل إمداده ينعكس مباشرة على الأسواق الدولية وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. وقد بدأت بالفعل بوادر قلق في أسواق الطاقة، ما ينذر بإمكانية امتداد آثار هذا التصعيد إلى أزمة اقتصادية تمس عدداً كبيراً من دول العالم. كما أن تعطّل طرق الشحن في الملاحة البحرية، واستهداف بعض السفن وناقلات النفط، أثّر تأثيرًا كبيرًا في حركة نقل الطاقة والبضائع عبر الممرات البحرية الدولية، فضلاً عما قد يُخلّفه ذلك من تلوث بحري خطير نتيجة تسربات النفط في البحار والمحيطات.

ومع ذلك، فإنَّ ما يُميز دول مجلس التعاون الخليجي عبر تاريخها الحديث أنها لم تكن يومًا دعاة حرب؛ بل اختارت طريق السلام والتنمية والتعاون؛ فمنذ تأسيس مجلس التعاون مثلت هذه الدول نموذجًا إقليميًا للتكامل الاقتصادي والتنسيق السياسي، وسعت باستمرار إلى ترسيخ الاستقرار وتعزيز التنمية والازدهار لشعوبها.

وفي مثل هذه الأوقات الصعبة تتجلى حقيقة الأوطان؛ فالأوطان القوية ليست تلك التي لا تمر بالأزمات، بل تلك التي يلتف أبناؤها حولها حين تمر بها. وفي مثل هذه اللحظات يظهر المعنى الحقيقي لحب الوطن؛ حبٌّ لا يقف عند حدود العاطفة، بل يتحول إلى وعي ومسؤولية وسلوك. ولهذا فإنَّ حماية أمن هذه الدول ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل مسؤولية مشتركة بين القادة والمواطنين، تقوم على الوعي والتكاتف وتعزيز روح الانتماء.

فحب الوطن ليس شعارًا يُرفع في المُناسبات، بل منظومة من القيم والسلوكيات تظهر في الالتزام بالقانون، وفي الحفاظ على الممتلكات العامة، وفي تعزيز روح التضامن بين أبناء المجتمع، وفي الوقوف صفًا واحدًا خلف مصلحة الوطن العليا.

وفي مثل هذه اللحظات تتضح حقيقة الأوطان: فهي لا تقوم بالحجارة وحدها، بل بقلوب أبنائها. فإذا اجتمع الوعي مع الانتماء، والتكاتف مع المسؤولية، أصبحت الأوطان أقوى من كل العواصف.

وفي خضم هذه التحديات يبقى الأمل كبيرًا في وعي شعوب دول مجلس التعاون الخليجي وتماسكها، وفي قدرتها على تجاوز الأزمات بروح التضامن والوحدة.

ونسأل الله أن يحفظ دول مجلس التعاون الخليجي، وأن يُديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ قادتها وشعوبها وجميع المقيمين فيها من كل سوء، وأن تبقى هذه الدول واحة سلام وتنمية وازدهار رغم كل العواصف؛ فالأوطان تبقى ما بقي أبناؤها أوفياء لها… متكاتفين في الشدائد قبل الرخاء.

** عضو جمعية الصحفيين البحرينية

اترك تعليقاً

إغلاق